ظاهرة الشذوذ في ازدياد وقانونيون يطالبون بتشديد العقوبات
يكتمون مأساتهم، ويتحيّنون الوقت المناسب للانتقام… إنهم مراهقون وبالغون ذكور تعرضوا للتحرش أو الاعتداء الجنسي من بني جنسهم، فكتموا الأمر وعاشوا صراعا نفسيا رهيبا، فلا هم أبلغوا مصالح الأمن ولا استطاعوا نسيان ما عاشوه، وسيطرت على تفكيرهم فكرة الانتقام، في ظل غياب قوانين صارمة تحدّ من ظاهرة الشذوذ الجنسي التي انتشرت بقوّة في مجتمعنا.
التحرش بالرجال والمراهقين الذكور ظاهرة رغم خطورتها، مسكوت عنها في الجزائر، وطابو يُخشى الحديث فيه، رغم أن المُتحرّش بهم سواء كانوا من المراهقين أم البالغين، تلازمهم فكرة الانتقام من الذئاب البشرية المتحرشة بهم ولو بعد سنوات، في ظل غياب مراكز نفسية تستمع إلى هذه الفئة، أو قنوات للتواصل معهم. وهو الأمر الذي جعل حقوقيين ومختصين نفسانيين يرون ضرورة الانتباه إلى الظاهرة، خاصة مع الانتشار الرهيب لآفتي المخدرات والكحول التي تُذهب العقول وتهيئ لممارسات الشّذوذ.
ويطالب قانونيون، تحدثت معهم “الشروق“، بردع المتحرشين الشواذ وتشديد العقوبات عليهم حتى لا يهيموا فسادا في المجتمع، وينتقلوا من فريسة إلى أخرى دون رادع. كما يطالبون الضحايا بالإبلاغ عن تعرضهم للتحرش دون خجل من المجتمع، لأنه بتبليغهم يحمون ضحايا آخرين مُحتملين.
الخمر والمخدرات والأفلام الإباحية من أكبر دوافع الشذوذ
تعتبر جريمة القتل من الآثار المترتبة على ظاهرة التحرش بالرجال. فكثير من قضايا القتل التي عالجتها محكمة جنايات العاصمة، يُصرح المتهمون فيها، خاصة من الشباب، بتعرضهم لمحاولة اعتداء جنسي من ضحاياهم، الأمر الذي جعلهم ينتقمون.
وكنا لا نصدق مثل هذه التصريحات، ونعتبرها حجة يتمسك بها القتلة للتهرب من العقاب، لكن في آخر قضية حضرناها بالمحكمة ذاتها، المتهم فيها شاب في العشرينات من عمره، على قدر كبير من الوسامة وليس له سوابق مع الإجرام، ومع ذلك تورط في قتل شاب يكبره بـ 15 سنة كاملة، بعدما استدرجه إلى مكان خال وانهال عليه بطعنات سكين. وبعد نهاية محاكمته وإدانته بـ 20 سنة سجنا، اقترب منا أحد أصدقائه، وأخبرنا أن المتهم كان يعاني من مضايقات كبيرة من القتيل وأصدقائه، حيث كانوا يتحرشون به جنسيا، وكلما مرّ أمامهم يُسمعونه كلاما مُخلا، وحدثت بينهم عدة شجارات انتهت بجريمة قتل بشعة.
وغالبية الشباب والمراهقين عند تعرضهم لتحرش، يُخفون الأمر عن أقرب الناس، فما بالك بإيداع شكوى إلى مصالح الأمن، فالأمر بالنسبة إليهم عار وفضيحة، وهي النقطة التي يستغلها الشواذ ويتمادون في تحرّشهم.
وقضية أخرى الضحية فيها “زوفري” في العشرينات من عمره جاء إلى العاصمة بحثا عن عن عمل، فشغّله أحد الشيوخ بنّاء بمنزله، وعرض عليه المبيت في غرفة مهجورة، ليتفاجأ الشاب أثناء نومه بالشيخ يحاول الأعتداء عليه، فأقدم على ضربه بقضيب حديدي، وهرب دون إبلاغ مصالح الأمن، والجريمة اكتشفتها عائلة الشيخ الذي نجا من الموت، وبلغت مصالح الأمن على أساس أن الشيخ هو من تعرض للاعتداء، والأخير له سابقة في محاولة الاعتداء على طفل قاصر. والأكثر بشاعة أن التحرش تغلغل بين الأصدقاء أنفسهم، فبعدما تغيب عقولهم في جلسة خمر أو مخدرات، يتفق بعضهم على الاعتداء على أحدهم ولو بالقوة، والنتيجة قطيعة أبدية بينهم وتفكير في الانتقام.
شواذ يصطادون ضحاياهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي
ويختفي كثير من الشواذ الرجال خلف شاشات الكمبيوتر، ويختارون ضحاياهم من مواقع التواصل الاجتماعي. وحسب قصة سردها على مسامعنا موظف بمؤسسة خاصة من العاصمة، يقول: “جاءتني دعوة صداقة على الفايس بوك من فتاة، وبتبادلنا الأحاديث على النت وحتى على الهاتف، شعرت بالأرتياح إليها، إلى درجة أن فكرت في الأرتباط بها، فطلبت لقاءها بإحدى قاعات الشاي وسط العاصمة، وهناك كانت الصدمة… – يضيف–: وصل شاب هزيل البنية يمشي ويتمايل جلس بقربي، وعندما سألته عن حاجته أخبرني بصوت أنثوي ناعم أنه هو تلك الفتاة، وراح يخبرني بإعجابه بوسامتي، وعرض علي صداقته“. محدثنا شعر بغضب عارم، وحمل كرسيا محاولا ضرب “الشاذ” فإذا بالأخير يشرع في الصراخ أمام الحاضرين متهما محدثنا بالتحرش به، ولكم أن تتصورا الموقف المخجل الذي وضعه فيه، ومنذ ذلك الوقت أصبح يتجنب علاقات الإنترنت.
وقصة أخرى لشاب في 29 من عمره يشتغل محاميا، قصد مؤسسة خاصة نتفادى ذكر اسمها، لقضاء حاجة، ليتفاجأ ليلا باتصال من أحد موظفي تلك المؤسسة، وهو يخبره دون خجل بإعجابه به وعرض عليه “صداقته“، ويقول محدثنا: “رغم شتمي له واصل إرسال رسائل نصية مخلة إلى هاتفي النقال، ولحساسية الموضوع لم أتجرأ على إيداع شكوى ضده، رغم أنني من سلك العدالة، وانتهى الأمر بتغيير رقم هاتفي“.
وترى “ليلى بونوار“، مختصة نفسانية، أن المتحرًّش بهم من المراهقين الذين يكتمون مأساتهم، سيتحولون إلى قنابل موقوتة تفجر المجتمع، لحملهم دوافع انتقامية رهيبة، والحل يكمن في عدم الخجل من الأمر، وطرح القضية إلى العلن، وعلى المتعرض للاعتداء اعتبار الشاذ شخصا مريضا نفسيا، الحل الوحيد لمحاربته الإبلاغ عنه، أو فضحه في الحي أو المدينة، ليكون عبرة للغير، مع تفادي فكرة الانتقام، لأنها مُهلكة لفاعلها.
إلى ذلك اعتبر علماء الدين أن الشذوذ أو “اللواط” من أخبث الذنوب وأكثرها شناعة وقبحا، “وليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط فهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوطٍ أحداً من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمَّة غيرهم، وجمع عليهم أنواعاً من العقوبات، من الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذَّبهم، وجعل عذابهم مستمراً، بمعنى أنه نكل بهم نكالاً لم ينكله بأمَّة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة، التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها“.. وعلى المذنبين المسارعة إلى التوبة قبل فوات الأوان، لأن الحياة قصيرة، والآخرة خير وأبقى، ومع عظم وقبح وشناعة الذنب فالله تعالى يفرح بتوبتهم.
ومن الناحية الطبية، فالشذوذ الجنسي (اللواط)، حسب الدكتور “مواقي لزهر“، طبيب عام، يسبب أمراضا خطيرة مستعصية الشفاء، ومنها مرض الإيدز، التهاب الكبد الفيروسي، الزهري، السيلان، التيفوئيد، الديدان المعوية، الجرب، مرض قمل العانة، سرطان الشرج، المرض الحبيبي اللمفاوي التناسلي.