ظلموا الطب الحديث.. فقالوا
في الحقيقة وددت أن أفتتح مقالاتي في جريدة الشروق بهذا المقال، لا سيما أنني طبيب، وقد مارست الطب الحديث وكذلك مارست الطب الغذائي والعشبي جنبا إلى جنب مع الطب الحديث، والحقيقة أنه وخلال ممارستي العملية لهذين الطبين، سمعت من عدد كبير من الناس أنه كانت لهم قصة طويلة مع الطب الحديث أثناء مرضهم المزمن والطويل، وأنهم قد دفعوا أموالا طائلة للوصول إلى التشخيص ومن أجل الفحوصات المخبرية والشعاعية، وفي شراء الأدوية الكثيرة، وكل ذلك من أجل أن يحصلوا على نتائج جيدة لصحتهم ومرضهم من خلال وسائل الطب الحديث المعروفة، ولكن دون جدوى،
وأقول قد يكون في هذا شيء من الصحة ونوع من الإصابة، ولكني أقول منصفا: ليس السبب في عدم نجاح العلاج بالطب الحديث أو وسائله وأساليبه الكثيرة، إنما السبب أننا أخطأنا ولم نضع الأشياء في محلها، لا أقصد بذلك الناس، إنما أقصد بذلك العلماء والمسؤولين الصحيين عن ثقافة الناس الصحية وفكرها، وبذلك نكون قد ظلمنا الطب الحديث، فالطب الحديث نبغ وبرع براعة مثالية ورائعة في علاج الأمراض الحادة، فإذا كان أخوك الصغير مثلا يعاني من التهاب حاد في الزائدة الدودية، فبالله عليك أخبرني ما الطعام أو الشراب أو العشبة التي تعطيه إياها لتوقف هذا الالتهاب وتنقذ حياته، الجواب لا شيء، وبنفس الطريقة إذا كان لديك شخص مصاب باحتشاء (جلطة) في عضلة القلب في هذه اللحظة، فبالله عليك، ما الغذاء أو العشبة التي تعطيه إياها لتوقف هذا الاحتشاء وتنقذ حياة المريض، الجواب لا شيء أيضا، فالحل في مثل هذه الحالات الحادة هو في الطب الحديث، فالزائدة الدودية الملتهبة يجب أن تستأصل، ومن ثم فإنك باستئصالها تنقذ حياة المريض بمنعها من الانفجار بعملية جراحية ابتكرها الطب الحديث، ومريض الجلطة القلبية تنقذ حياته بحقنة ستريبتوكيناز تميع الخثرة، وتنقذ حياة شريانه وقلبه، وهي أيضا مبتكرة ومصنعة من قبل الطب الحديث، ضف إلى ذلك أن الطب الحديث استطاع وبفضل الله القضاء على الأمراض الوبائية التي سميّت وبائية لأنها كانت تنتشر كجوائح ووباءات تقضي على عدد هائل من أرواح البشر، فالطاعون كان يأتي ليحصد أرواح أكثر من 300 مليون نسمة في كل هجمة من هجماته على سطح الأرض، وانتهى بفضل الله أو انحسر بشكل مذهل بفضل الله أولا ثم الطب الحديث، وكذلك السل والكوليرا والجذام والدفتيريا والسعال الديكي وغيرها من الأمراض، استطاع الطب الحديث أن يقلل منها بشكل رائع ومذهل، غير أننا يجب أن نكون موضوعيين لنعرف أن إنجاز الطب الحديث في الأمراض المزمنة هو محدود أيضا، وكل ما يقدمه هو علاج ملطف في مثل هذه الأمراض، ومن هنا تنبع الحاجة لنوع جديد من الطب يختص بهذه الأمراض المزمنة، كما نبغ الطب الحديث في الأمراض الحادة والوبائية، وسيكون ذلك موضوعنا في المقال القادم فتابعونا…