-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عالم جزائري في موسكو

عالم جزائري في موسكو

ذكرتني المباراة التي جرت بين الفريق الوطني وبين الفريق الروسي في إطار تصفيات كأس العالم، التي انتهت بتعادل الفريقين وتأهل الفريق الجزائري إلى الدور السادس عشر؛ ذكرتني تلك المباراة عالما جزائريا قضى عليه الله – عز وجل – أن يسلم روحه في مدينة موسكو، عاصمة روسيا، في سنة 1185 هـ (1771م)، وصدق الله العظيم القائل في كتابه الحكيم: “وما تدري نفس بأي أرض تموت”.

إن هذا العالم الجزائري الذي قُدّر له أن يموت في أرضٍ غريب الوجه واليد واللسان هو علي بن محمد الجزائري المعروف باسم “ابن الترجمان”، الذي ولد في الجزائر في عام 1130 هـ (1718 م).

بعدما نال نصيبا موفورا من العلم، راح يتنقّل في البلدان، توسيعا لمعارفه، وتعميقا لتجاربه، ثم استقر به الأمر في القاهرة، حيث نال منزلة علمية عالية، فقد ذكر تلميذه محمد مرتضى الزبيدي في كتابه (“المعجم المختص” ص 567). بأنه ذاكره في العلوم، فقال: “فوجدته كاملا راسخا فيها”، كما نال مكانة عند السلطات وعند عامة الناس لإحسانه إليهم حيث “ابتنى دارا حسنة قرب الأزهر”، يلجأ إليها من أصابته خصاصة. وإضافة إلى كثرة رحلاته فقد عُرف بأنه ممن يتعاطى قرض الشعر، وقد وصفه الجبرتي بأنه “أحد أذكياء العصر، ونُجباء الدهر، وحاز أنواع الفضائل”.

            لقد دخل تركيا في إحدى رحلاته، ووافق ذلك قيام حرب بين الدولة العثمانية وبين الدولة الروسية، فحدثته نفسه أن يتقرب إلى السلطان العثماني مصطفى خان فكتب إليه يُخبره باستغاثة تنسب إلى الولي أبي مدين شعيب، دفين تلمسان، يعتقد الناس أن من قرأها وقت الحرب حصل له النصر.

            استجاب السلطان لاقتراح علي بن محمد الجزائري، وأمره بأن يشارك في الحرب ويتولى بنفسه قراءة تلك الاستغاثة البومدينية الشُّعيبية، فما وسعه إلا أن ينفذ -على مضض- أمر السلطان. ولكن الله قضى أن يكون النصر للروس، وأن يُهزم المسلمون لسوء استعدادهم وإدارتهم المعركة، وكان عالمنا ممن وقع في أسر الجيش الروسي، ونقل إلى موسكو دون أن يُسعى في إطلاق سراحه فداءً أو مفاوضةً، واستمر يعاني آلام الغربة والأسر إلى أن توفاه الله  – الذي يتوفى الأنفس – في 1771 م كما أشرنا سالفا.

            بالرغم مما شُهد به لهذا العالم من غزارة العلم، وقرض الشعر، فإنه لم يُعرف عنه أنه كان مهتما بالتأليف، ولم تذكر له المصادر إلا رسالتين صغيرتين، إحداهما ذات صلة بعلم الكلام، عنوانها “الدُّرُّ الثمين في تحقيق القول في صفة التّكوين”، وأَخراهما تتناول فضل الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – .   

            إنّ الاستغاثة وحدها لا تحقّق النصر، وإنما يحقّقه بعد حسن التوكل على الله – عز وجل – اِتّخاذ الأسباب من إعداد مادّي واستعداد نفسي. ومما يُذكر في هذا الشأن أن الدولة العثمانية في أيام ضعفها ووَهنِها ِاشترت باخرة حربية، فطلب السلطان العثماني آنذاك أن يُقرأ عليها “صحيح البخاري”، وما كان ذلك السلطان مقيما لما جاء به القرآن الكريم وصحيح البخاري من أوامر، منتهيا عما نهيا عنه، وإنما كان ممن لا يعرفون الله – عز وجل إلا حين البأس، وسمع أحد الظرفاء ذلك فعلّق على طلب السلطان قائلا: “إن الباخرة تسير بالبخار لا بالبخاري.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • الورثلاني

    بما قاله العالم و رجل الدين و الرحالة البريطاني طوماس شوThomas Shaw عن جهل المثقفين و الحكام الجزائريين في نفس القرن الذي عاش فيه هذا "الدرويش" الذي اراد غلب جيوش الامبراطورة كاتارينا الكبرى نصيرة العلماء و الفلاسفة و الفنانين باستغاثة بومديينية. فقد زار هذا البريطاني الفضولي الجزائر عام 1720م و اقام فيها حوالي12 سنة سائحا متنقلا باحثا مكتشفا و ترك لنا كتابا قيما يصف فيه الجزائر. و مما ورد في هذا الكتاب اندهاشه من اعتقاد احد المثقفين المقربين من الداي انHippokrates of Kos (ابوقراط) طبيب عربي.

  • أكرم الجزائري

    وهل هذا الذي وصفته هو عالم؟؟!
    الأصح أن تقول: قبوري يتبرك بالأضرحة وبالأولياء الصالحين، ولا شك أنه احد اسباب الهزيمة التي حصلت

  • واحد فايت

    "بالرغم مما شُهد به لهذا العالم من غزارة العلم، وقرض الشعر، فإنه لم يُعرف عنه أنه كان مهتما بالتأليف، ولم تذكر له المصادر إلا رسالتين صغيرتين"

    من أين تعلمت منه العلم الغزير ؟؟؟؟؟

  • merghenis

    الحروب بين الروس و العثمانيين عددها 11 + 2. الحرب التي شارك فيها هذا الشيخ هي التي دامت من 1768 إلى 1774 . و السلطان هو مصطفى الثالث.
    قضى مصطفى الثالث فترة حكمه كلها في محاربة الروس ورغم أنه قد حقق عدة انتصارات عليهم إلا أن المحصلة النهائية كانت لصالح الروس.

  • جزائري

    يا أستاذ، أنا لم افهم بعدُ!

    من جهة تقول عالم ومن جهة تقول ( فيما معناه) درويش!

    أي الوصفين أدق في حق الرجل (رحمة الله عليه) ؟

  • واحد

    شكرا على الافادة يا استاذنا...

  • جمال الدين

    السلام عليكم ورحمة الله : شكرا استاذنا الفاضل على ماتقدمه من معلومات قيمة تصب في مصلحة احياء هذه الامة في ضوء مسيرة عامائها , أرجو من الله عزوجل ثم منك أن تكتب شيئا عن العلامة محمد بن شنب رحمة الله و ما قدمه للامة ,الذي لم يقدم مثله أحد قط في زمن الاستعمار , والذي بخص حقه عن عمد . و السلام

  • جزائرية

    جزاكم الله خيرا ورحم الله عالمنا واسكنه فسيح جناته

  • ام كلثوم

    يزخر العالم العربى بشخصيات مضيئة كان لها الاثر الحسن فى التربية والتنوير والتعليم والتزكية... ومن بينهم هذا العلامة الجليل الجزائرى الذى بفضلك تمكنا من التعرف عليه وعلى عمله الجليل .لقد كان لهؤلاء الاشماء افضال كبيرة علينا فقد تعلمنا منهم الكثير واستفدنا من علمهم الغزير ومن سيرتهم العطرة حيث حاولنا ان نتقدى بها ونجعلها كنماذج وامثلة فى حياتنا...رحم الله الرجل وجعله ف مرتبة العليين

  • صالح

    يحكى أن الطاغية صدام حسين ، رحمه الله ، وجه دعوة إلى بعض منتسبي خلايا البعث اليقضة والنائمة في الوطن العربي ، للاجتماع بهم في بغداد ، أثناء الحرب العراقية الإيرانية .
    لما اجتمعت الوفود سأل البعثيين الوافدين ، من الأقطار العربية على العراق ، إن كانوا مازالوا مستعدين للذود عن حزب البعث العربي ، ولما أجابوا بنعم ( وما كان عليهم إلا ذالك فالسياسة مكر ونفاق ) أرسلهم إلى الجبهة ليموتوا هناك في حرب لا ناقة ولا جمل لهم فيها .
    المثل يقول : اللي تكلم إيصب الماء .
    إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب .

  • SMAIL

    ـ الباخرة بالبخارلا بالبخاري ـ ا فضل رد على كل درويش متواكل انهزامي. شكرا استاذعلى هذه النفحات.

  • بشرى

    شكرا افدتنا شكرا