-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عامٌ على الطوفان

سلطان بركاني
  • 528
  • 0
عامٌ على الطوفان

يعيش أحرار الأمّة بحر هذا الأسبوع الذكرى السنوية الأولى لطوفان الأقصى الذي بدأ يوم السبت الموافق للسابع من شهر أكتوبر سنة 2023م؛ يومها أمطر المجاهدون في كتائب المقاومة بغزة المرابطة الصهاينة المحتلين بآلاف الصواريخ، ودخلوا إلى الأراضي المحتلة وهاجموا مراكز عسكرية وأمنية صهيونية، وقتلوا عشرات الجنود، وأسروا عشرات الأسرى، وغنموا أسلحة وآليات، وأظهروا للناس أنّ هذا الكيان الغاصب الذي يقدّم على أنّه الأقوى في المنطقة؛ بيته كبيت العنكبوت.
سبب الطوفان أنّ معلومات مؤكّدة وصلت المجاهدين تفيد بأنّ الصهاينة –في خضمّ تسابق بعض الدول العربية نحو التطبيع!- يخطّطون ويتأهّبون لعمل يستهدف المسجد الأقصى، قد يجعل ملياري مسلم يبكون بعد فوات الأوان؛ فأطلق المرابطون الطّوفان ليلفتوا أنظار الأمّة إلى أقصاها المهدّد، وأعلن يومها أسد غزّة القائد العام لكتائب القسّام “مُحمَّد الضيف”، أنّ العملية جاءت ردا على الانتهاكات الصهيونية لباحات المَسْجِدِ الأقصى واعتداء المُستوطنين الصهاينة على الفلسطينيين في القُدس والضّفّة والدّاخل المُحتَل.
كان سبتًا أسودَ على الصهاينة، كُسر فيه كبرياؤهم ومرغت أنوفهم في التراب، ودب الذعر في قلوب المستوطنين، خاصّة أنّ صفارات الإنذار قد دوّت في طول الأرض المحتلة وعرضها، واضطرّ المستوطنون إلى الفرار من حوالي المسجد الأقصى.. وقد تحدّثت وسائل الإعلام الصهيونية بعد ذلك عمّا وصفته بـ”صدمة نفسية وطنية جسيمة”، بسبب طوفان الأقصى، ونشرت مجلة “ذي لانسيت” الطبية البريطانية دراسة تؤكد أن سكان الأرض المحتلة من الصهاينة تعرضوا لصدمات نفسية بطريقة أو بأخرى منذ طوفان الأقصى.. بل إنّ صحيفة “هآرتس” الصهيونية أكدت أنّ نظام الصحة النفسية يواجه خطر الانهيار بعد طوفان الأقصى.. وتحدّثت مجلة “زمان” الصهيونية عن هجرة ما لا يقلّ عن 470 ألف مستوطن صهيونيّ فرارا من الأراضي المحتلة بعد انطلاق عملية طوفان الأقصى.
كان يفترض في الأمة الإسلامية، أن تفهم رسالة طوفان الأقصى، وتهبّ لاسترداد الأرض المباركة من الصهاينة الجبناء وتطهير المسجد الأقصى من دنس الأعداء، ويكون شعارها: “إمّا حياة تسرّ الصّديق، أو ممات يغيظ العدى”، خاصّة أنّ المرابطين في غزّة أكّدوا أنّ الطوفان هو طوفان الأمّة كلّها، وليس طوفان حركة حماس، حين دعا “محمّد الضيف” إلى اتحاد كل القوى العربية والإسلامية لكنس الاحتلال، وطالبَ كلّ من يملك بندقيّة بإخراجها فقد آن أوانها.
كان يفترض في الأمّة أن تفهم الرسالة، لكنّ الخذلان كان سيّد الموقف. باستثناء الدعم الذي تلقاه المجاهدون من إيران ولبنان واليمن.. ولم تكتف أغلب بلاد المسلمين بالخذلان بل إن منها من تطوّعت بتقديم الدّعم المادي والمعنويّ للصهاينة، ومنها من تواطأ في إسقاط بعض الصواريخ التي يرسلها الإيرانيون أو اليمنيون دعما لغزّة!
في المقابل، هبّ الغرب الصليبي لنجدة اليهود الصهاينة في الأرض المحتلّة، عسكريا وماليا وإعلاميا ومعنويا، وانطلق وزير الخارجية الأمريكي، ليزور الكيان المحتلّ، ليقول من هناك: “إنني هنا ليس كوزير خارجية فقط، بل أيضًا أنا أزور إسرائيل بصفتي يهوديًا، وسنلبّي جميع حاجاتها الدفاعية”، وقامت أمريكا بإرسال 2000 جندي من قوات متخصصة في تحرير الأسرى والرهائن، وقام البنتاغون بتحريك حاملتي الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد” و”دوايت أيزنهاور”! أمّا الدّعم المالي الأمريكي فقد بلغ ما قيمته 14 مليار دولار، وأجرت أمريكا أكثر من 100 صفقة سلاح مع الصهاينة، وسلّمت ما لا يقلّ عن 14 ألف قنبلة وزن كلّ منها 2000 رطل و6500 قنبلة وزنها 500 رطل، وصواريخ خارقة للتحصينات، استعمل بعضها في استهداف أنفاق غزّة، واستهدف بعضها الآخر في استهداف جنوب لبنان… هذا فضلا عن الدعم الرسمي البريطاني والفرنسي والألماني والإيطالي، بالمال والسلاح والجنود.. حتّى أصبح المجاهدون في قطاع غزّة يواجهون تحالفا صهيونيا صليبيا واضحا لا يتغافل عنه إلا كافر أو عميل منافق!
هذا التحالف لن يمكنه إسقاط راية المقاومة في الأرض المقدّسة، فالمجاهدون رغم الخذلان لا يزالون صامدين، ولا يزالون إلى الآن يستهدفون دبابات العدو، وينصبون الكمائن ويحصدون العشرات من الصهاينة.. العدو الصهيونيّ اعترف بهلاك 700 من جنوده منذ بدء طوفان الأقصى، لكنّ الحقيقة أنّ العدد هو بالآلاف.. المجاهدون سيظلّون –بعون الله- صامدين لا يضرّهم الخاذلون ولا الخائنون.. لكنّ المدنيين هم من يدفع فاتورة الإجرام الصهيوني باهظة، بسبب الخذلان الإسلاميّ والعربيّ.. الإحصاءات تشير إلى سقوط أكثر من 41 ألف مدنيّ في غزّة، نحتسبهم شهداء عند الله، بينهم نحو 17 ألف طفل وأكثر من 11 ألف امرأة، هذا فضلا عن أكثر من 96 ألف مصاب، و10 آلاف مفقود. ومليونيّ مهجّر، خلال هذا العام الذي ارتكب فيه الاحتلال الصهيونيّ أكثر من 4650 مجزرة بحق المدنيين، تم استهداف معظمهم داخل منازلهم، أو في مراكز الإيواء.
باستثناء الجهود الدبلوماسية المشكورة التي قامت بها الجزائر وبعض الدول، فإنّ هذا الإجرام لم يحرّك دولة عربية واحدة من بين 22 دولة عربية في الميدان، مجموع جنودها 2.5 مليون جنديّ نظامي، في مقابل أقل عن 170 ألف جندي نظامي صهيوني.. 22 دولة عربية مسلمة تنفق سنويا ما يقرب من 180 مليار دولار على التسليح. و5 دول عربية فقط بينها تمتلك ما يقرب من 3600 طائرة حربية، بينما لا يملك الكيان المحتل سوى 684 طائرة مقاتلة!
أمّا إذا رجعنا الطرف إلى العالم الإسلاميّ، فإنّنا نجد أنّ بين 57 دولة مسلمة في العالم، هناك 4 دول إسلامية غير عربية، تمتلك أكثر من 2 مليون جنديّ، وأكثر من 3500 طائرة حربية.. ومع ذلك، فمن بين كلّ هذه الدّول، دولة واحدة دعمت المرابطين في غزّة، هي دولة إيران!
نعم، إيران دولة شيعيّة، لكنها في النهاية دولة مسلمة، عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي.. ولو أنّ الدعم جاء من دولة كافرة لكان ينبغي لنا أن نباركه ونفرح به. كيف به وهو من دولة مسلمة تمد المرابطين بالسلاح، وتمطر الصهاينة بمئات الصواريخ.. الصواريخ الإيرانية سقطت على اليهود الذين أخبرنا القرآن أنّهم أشدّ النّاس عداوة للذين آمنوا، وهم الذين يقولون عن الله قولا عظيما، ويقتلون الأنبياء وينسبون إليهم السّوء، وهم الذين حاربوا نبيّنا –صلّى الله عليه وسلّم- وعادوه، وحرّضوا ضدّه، ولا يزالون إلى يومنا هذا يسيئون إليه ويسبّونه. عليهم لعائن الله.
العدوّ الصهيونيّ يكتم خسائره، ويحاول التظاهر بأنّه لم يصب بضرر، لكنّ الحقيقة التي نقلتها المقاطع المصورة، والأخبار التي سرّبتها وسائل إعلام مستقلّة من داخل كيان العدو الصهيونيّ، كلها تفيد بأنّ قواعد عسكرية أصيبت بأضرار جسيمة، وأنّ الذعر قد دبّ في أوساط المسؤولين فضلا عن غيرهم، ويكفي أنّ التاريخ سيسجل أنّ “نتنياهو” خرج أمام الكاميرات ليقرأ بيانه بيدين مرتعشتين! أمّا الرعب الذي دبّ في أوساط المستوطنين فحدّث ولا حرج، وقد أشار موقع “واينت” الصهيوني إلى ارتفاع طلبات المساعدات النفسية في الكيان بنسبة 480 %.
الأمّة الآن في خضمّ حالة الخذلان والتآمر، من حقّها أن تقبل أيّ يد تمتدّ إليها بالعون لتطهّر مسجدها الأقصى وتحرّر أرضها المباركة المحتلة.. المسلمون من حقهم أن يقبلوا الدعم الإيرانيّ، ومن حقّهم أن يفرحوا بالصواريخ الإيرانية التي تنزل على الصهاينة، من دون أن يكونوا في حاجة إلى اعتناق المذهب الشيعيّ المنحرف.
يقول ابن تيمية –رحمه الله-: “ليُعلَمْ أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب؛ ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج، والمعتزلة، ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لا مستحقًّا للثواب فقط، ولا مستحقًّا للعقاب فقط” (مجموع الفتاوى: 28/ 118).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!