علـّمنا “الجوع والحفى”!
يا أستاذ جمال.. الله يهدينا أجمعين.. اذا أردنا أن نعالج المسألة فعلينا وضع اليد على الجرح، غير آبهين للوجع أو سيلان الدم.. أتذكـّر أن نخبة الجامعة والمدارس العليا كانت تختار مهنة التدريس، وكان المتفوّقون والأوّلون في مدارسهم وجامعاتهم، يتزاحمون في طابور توظيف أساتذة، وهم مقتنعون بالجدوى والهدف.
الآن، يا أخي جمال، ألا ترى أن أغلب المتهافتين على مهنة التعليم، يفكرون بمنطق المهنة التي تستفيد من 3 أشهر عطلة، ومن ساعات عمل “قليلة”، ومن “الراحة والتشماس”، ومن “أجر محترم”، وأكاد شخصيا لا أسمع من يتحدث عن أصول وفصول هذه المهنة النبيلة.
المعلم كاد أن يكون رسولا، لكن هل تعتقد أن الأغلبية الساحقة من معلمي الجيل الجديد يؤمن بهذا المبدأ؟ هل تذكر لي أمثلة كثيرة حية عن “تضحيات” معلم في الوقت الراهن مثلما كان عليه المعلم في سنوات ما بعد الاستقلال؟.. رغم “الجوع والحفى”، إلاّ أن المعلم كان يُنتج إطارات ودكاترة وأطباء ومهندسين وقضاة وصحفيين، وغيرهم من الأكفاء.. وماذا الآن؟
يؤلمني وأنا أستمع إلى شاب موظف أو بطال، مثقف أو أمي، وهو يبحث عن “معلمة” يتزوجها، وبدل أن يرافع لمقاسمتها متاعب الحياة، فإنه يغالي لمقاسمتها، أجرتها “السمينة”، ويتقاسم معها امتيازات العطلة الطويلة، وهذه هي المصيبة، يا سي جمال، فقد تحوّلت مهنة التعليم، للأسف، إلى “غنيمة” بدل أن تكون وسيلة وغاية تربي الأجيال وتلقنهم العلوم والأخلاق!
لقد اشتغلت مع جيل قديم، محترم، واع، رزين، ثابت، عانى كثيرا اجتماعيا ومهنيا، لكنه لم ييأس، بل ساهم في صقل مواهب كانت تستحق كلّ الرعاية والتقدير والمتابعة، ويكفيني فخرا، أنني بعد سنوات من العمل، وبعد سنوات أيضا من التقاعد، مازال تلاميذي يغيرون طريقهم عندما يلمحونني، احتراما منهم وتقديرا، لمعلمهم الذي كاد أن يكون رسولا.
معلم متقاعد من الزمن الجميل
شكرا يا “شيخ”.. والشيخ هنا وقد تعلمناها منذ الصغر، وسكنت ألسنتنا، لا تعني “العجوز”، وإنما هي كناية عن الوقار والمنزلة الرفيعة.. كلماتك أيها المعلم المحترم، “تجرح وتداوي”، وقلت ما يكفي لنتألم ونحلم في نفس الوقت، بواقع أفضل، وحيثيات أخرى تغيّر هذه المدرسة التي لم تعد مثلما كانت، أو على الأقل لم تعد مثلما ينبغي لها أن تكون!
المتدافعون على مهنة التعليم، هم يا أستاذي، ضحايا أيضا.. ضحايا لمنظومة أصبحت مظلومة، وواقع معيشي مرّ، ومجتمع لم يعد يرحم ولا يحترم.. وهذه نتيجة تغلب الماديات، وأخطر ما في الموضوع، أن يتحوّل قطاع التربية إلى تشغيل موظفين عوض معلمين محميين بقوة القانون!