عندما يُهان المرء.. أو يُهان
يحفظ أزيد عن نصف مليون طالب في القسم النهائي، هُم حاليا يقاومون أمواج البكالوريا مثلا عربيا يقول أنه في يوم الامتحان يُكرم المرء أو يُهان، ويأمل هذا “الشعب الطلابي” بكل ما تعنيه كلمة شعب من كمّ ومعنى، حيث يفوق تعداد المترشحين لآخر الشهادات المحترمة تعداد أمم وأوطان وميزانية الامتحان ميزانية دول إفريقية، لا تجد ما تأكل فما بالك أن تُمتحن في أن يتم تكريمهم بعد الامتحان سواء نجحوا فدخلوا الجامعة من دون حكايات الخبز اليابس وطوابير الإطعام والإضرابات وحتى الاحتراق في الإقامات الجامعية، وأنهوا دراستهم مكرّمين بمناصب العمل أو فشلوا فوجدوازورقا آخر أكملوا به رحلة شبابهم، من دون التفكير في “الحرڤة” إلى الضفة الأخرى، حيث أكدت الإحصاءات أن ثمانين بالمئة من الهاربين من البلاد عبر زوارق الموت من الذين فشلوا في شهادة البكالوريا، أو بحرق أنفسهم كما حصل في السنتين الأخيرتين، لأن قدر المرء هو أن يُكرّم دائما سواء في الامتحان أو بعد الامتحان، وسواء في حالة النجاح أو حالة الفشل، ولكن الواقع الذي نعيشه يؤكد أن التلميذ والطالب والعامل صاروا يُهانون في كل الأحوال، وما حدث في تلمسان هو أحسن مثال على ذلك، حيث تجاوز الأمر مرحلة الإهانة إلى الموت رغم أن الطالب الضحية في الامتحان حصل على علامة جيد جدا، فكان يستحق الإكرام على الأقل.
منذ ثلاثين سنة قال وزير التربية الأسبق محمد خروبي، أن ميزانية التحضير لشهادة البكالوريا أكبر من الميزانية العامة لعدد من الدول الإفريقية، ولكن السيد الوزير ولا الذين جاؤوا من بعده سألوا عن ثمرة هذا البذل المادي، ومنذ ثلاثين سنة قال وزير التعليم العالي الأسبق السيد عبد الحق برارحي، أن ميزانية الجامعة الجزائرية تفوق ميزانية بعض الدول في أمريكا الوسطى، ولكن السيد الوزير ولا الذين جاؤوا من بعده سألوا عن ثمرة هذا البذل المادي، والآن أضيفت للميزانية المالية الأرقام البشرية الكبيرة التي لا تنطق إلا بالمليونية غير مستفيدة إطلاقا من القدسية التي مازالت تتمتع بها شهادة البكالوريا، حتى أن البعض يعتبرها الفرح الأخير بالنسبة للشباب الجزائري وللعائلة الجزائرية.
وإذا كنا دائما نُحمّل الشعب مع السلطة مسؤولية الكثير من المشاكل التي تعانيها الجزائر، فإننا في موضوع العلم والمتفوقين فيه، لا نجد متهما غير السلطة التي ساهمت في تقزيم العلماء وفي إجبارهم على مغادرة أرض الوطن، رغم أن الجزائري والعائلة الجزائرية تمنح للطفل كل إمكاناتها المادية والمعنوية من أجل النجاح، بدليل أن وزارة التربية ساهمت بصمتها في تحويل الدروس الخصوصية إلى واقع إجباري على التلميذ ووليه، ومع ذلك يحرم الآباء أنفسهم من القوت من أجل أن يتعلم أبناؤهم في المدرسة النظامية وفي مستودع الدروس الخصوصية، فقد كانت شهادة التعليم الابتدائي مقدسة بالنسبة للعائلات ولكن النظام التربوي حوّلها إلى نزهة لا جهد فيها، ويكاد الآن يوصل شهادة البكالوريا إلى هذا المصير، بعد أن صار بعض التلاميذ يسألون أنفسهم ما جدوى النجاح، وخيار الدراسة الجامعية ليس في أيدينا.. ومناصب العمل لن تكون بأيدينا.. فمن قال أنه في يوم الامتحان يُمكن للمرء كما يُهان أن يُكرم؟