-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما يزايد الحكام العرب على شعوبهم في جلد الذات!

فيصل القاسم
  • 8590
  • 15
عندما يزايد الحكام العرب على شعوبهم في جلد الذات!

لقد كانت القمة العربية الأخيرة فريدة من نوعها في تاريخ القمم العربية، فلأول مرة يتخلى الحكام العرب عن الخطاب الرسمي الخشبي الذي لم يعد يصدقه أحد منذ سنين، ليتحدثوا بلغة الشارع.

ولولا أننا كنا نشاهد الزعماء العرب على شاشات التلفزيون وهم مجتمعون في مدينة سرت الليبية، لكنا ظننا أن المتحدثين ليسوا أبداً حكاماً، بل مواطنون عرب بسطاء يدلون بآرائهم ومظالمهم عبر برامج البث المباشر التي تبثها الإذاعات والتلفزيونات العربية من طينة “فش خلقك”، أو”عبر عن رأيك” أو “بساط أحمدي” أو “منبر المشاهدين”. لأول مرة نسمع نغمة مختلفة تماماً، لا بل وجدنا إن زعماءنا يصرخون ويشتكون، ويزايدون على المواطنين العرب في شتم الواقع العربي، وجلد الذات، وضرورة الإصلاح، والنهوض، والتحرك، والفعل، ومواجهة التحديات. لا بل إن أحدهم اعترف بحق المواطنين العرب بأن يكونوا متمردين وساخطين على الوضع القائم، وبأن أن زملاءه الحكام في وضع لا يحسدون عليه.

وقبل انطلاق القمة استمعنا إلى بعض الزعماء وهم يعترفون بشجاعة نادرة بفشلهم في الوفاء بمتطلبات شعوبهم وأوطانهم، وبأن من حق الشعوب أن تفقد الأمل في حكوماتها، مع العلم أن بعضهم لم يكن يترك أي فرصة إعلامية إلا ويستغلها ليتغنى بإنجازاته ومآثره الوطنية والقومية الجوفاء. لكنهم هذه المرة، على ما يبدو، آثروا الابتعاد عن الكذب والتدليس والضحك على الذقون، وأكل الحلاوة بعقول شعوبهم، بعد أدركوا أن الشارع راح منذ زمن بعيد يسخر من خطابهم الطاووسي المهترئ. ويعود الفضل في ذلك طبعاً إلى وسائل الإعلام الحرة التي فتحت المجال أمام النخب والشعوب في الأعوام القليلة الماضي كي تعبر عن رأيها بحرية وجرأة غير مسبوقة بالأنظمة الحاكمة وفضح فسادها وتخلفها وعمالتها وارتهانها للخارج. لقد ذاب الثلج وبان المرج. ولم يعد بإمكان الحكام أن يغطوا عين الشمس بغربال. لم يعد بإمكانهم أن يكذبوا ويصوروا الأسود أبيض، والأبيض أسود، فراحوا يعترفون بالواقع المرير الذي تسببوا هم أنفسهم في صنعه.

لكننا نخشى أن تكون المزايدات على نبض الشارع والتقرب من الخطاب الشعبي مجرد خدعة لامتصاص النقمة، خاصة بعد أن انكشفت عورات الأنظمة العربية بشكل لم يسبق له مثيل بسبب الثورة المعلوماتية والإعلامية.

ويؤكد هذا الرأي الباحث والكاتب علي خليفة الكواري الذي يرى أن “حكام المنطقة العربية من حيث التكوين النفسي والقيمي وربما التطلعات العامة لا يختلفون كأشخاص عن بقية المواطنين. وهم يشعرون بالضغوط وربما الضيق كأفراد. وإذا أتيحت فرصة الجلوس مع أحدهم فإن السامع لا يجد فرقاً كبيراً بين كلامهم وما يمكن أن يقوله عن تردي الوضع العربي والإقليمي وتداعياتهما المستقبلية، ولكن ذلك الكلام ينطبق عليه القول السائر “أسمع كلامك يعجبني أشوف أفعالك أتعجب”.

بعبارة أخرى فإن ما سمعناه من شكاوى لدى الحكام أنفسهم في قمة سرت ليس إلا مجاراة شكلية لرأي الشارع كنوع من تنفيس الاحتقانات المتراكمة في نفوس الشعوب العربية، لا أكثر ولا أقل.

إن الذي يعترف بهذا الكم الهائل من المشاكل والإخفاقات يجب أن يفعل شيئاً لحلها ومعالجتها، وأن لا يكتفي فقط باللطم والعويل، خاصة وأن أولئك الحكام، على عكس الشعوب المغلوبة على أمرها، يمتلكون أدوات الحل والربط والعلاج، فهم الذين يتحكمون بوسائل الإعلام، والثروات، والجيوش، وصنع القرار. وبالتالي، بدل التذمر والشكوى عليهم التحرك إذا كانوا صادقين في شكواهم، لكنهم لن يتحركوا لأساب كثيرة، أولها أن دوائرهم الانتخابية ليست في بلدانهم لدى شعوبهم، بل في عواصم القرار الغربية مثل واشنطن ولندن وباريس. بعبارة أخرى، فهم مسؤولون أمام أسيادهم في الغرب وليس أمام الشعوب. ويجادل الكواري في هذا الصدد قائلاً: “إن علاقة الدول الغربية الكبرى مع دول المنطقة العربية تقوم على أساس تفاهم مع الأنظمة الحاكمة ومقايضة ضمان استمرار حكم تلك الأنظمة وحماية السلطة المطلقة للحاكم مقابل أخذ الحكام بنصيحة القوى العظمى في الغرب والانسجام مع رؤيتها الإستراتيجية، في ظل الوجود العسكري والنفوذ الاقتصادي وإعطاء الأفضلية للمصالح الاقتصادية والتجارية للدول الأجنبية الحامية.  وعلى من أراد الوصول للحكم بالوارثة أو من خارجها أن يتفاهم مع القوى الحامية مباشرة أو من خلال حلفائها الإستراتيجيين، وأن يقوي علاقته بهم. وقد نتج عن هذا التفاهم والتحالف والحماية استمرار حكم الأنظمة نفسها منذ عقود. ولذلك لم يتغير حاكم من حكام المنطقة بأي أسلوب كان إلا بعد أن توافق الدول الحامية على تغييره وفقاً للأسلوب المناسب الذي تراه.

وجدير بالملاحظة هنا، حسب الكواري، أن دول الحماية اتخذت دائماً الموقف الداعم لحكومات المنطقة في مواجهاتها لحركات الإصلاح ومساعي التغيير السياسي، وغطت سياسات حكومات المنطقة إعلاميا ودبلوماسياً إلى جانب القوة العسكرية إن لزم الأمر.

وبناء على هذا التحليل، علينا أن نأخذ “صحوة ضمير” الحكام المفاجئة في مؤتمر القمة الأخير بكثير من الحذر، فلو كانوا فعلاً صادقين في تذمرهم من الوضع العربي المتردي لاستقالوا من مناصبهم، لأن خمسة بالمائة من الكوارث التي تسببوا بها لشعوبهم كفيلة بأن تطير أي حاكم في العالم من منصبه، لا بل أن تعرضه للمحاكمة كمجرم خطير من العيار الثقيل. فعندما يعترف الحكام المنتخبون ديموقراطياً بأخطائهم فإن ذلك يكون عادة مقدمة أكيدة للتكفير عن الذنوب والتنحي عن السلطة، وهذا لن يفعله الحكام العرب أبداً، فكلنا يعرف أن الذين تسببوا في ضياع الأرض والهزيمة أمام الأعداء مثلاً ظلوا يحكمون حتى خطف ملك الموت أرواحهم، علماً بأن أي جنرال يحترم نفسه لا يستقيل فقط عندما يخسر المعركة، بل ربما ينتحر.

بقي أن نقول إن اللهجة السياسية الجديدة التي بدأ يتبناها الحكام العرب لن تنطلي على الشعوب. صحيح أنها طازجة من حيث الشكل. أما في العمق، فلا طعم جديداً لها أبداً. فالعويل الرسمي الذي أتحفنا به قادتنا المنتخبون غربياً على غير العادة، والمزايدات على الشعوب العربية في جلد الذات، ينطبق عليها المثل الشعبي الشهير: “ضربني وبكى وسبقني واشتكى”. وسلامتكم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
15
  • محمود

    مفيش تعليقات عن مصر يعنى؟

  • abdelaziz

    if any one read what you said , will tell you that arab people we are civilized, but the koffar are animals.
    in this stage you got two choices ,you die or you wait is over because if live against allah you live mental or unhappy ,as proverbe said if the wrong people are in charge wait for the end.
    about technology , the kofar they took from us more than 1100 invention.
    there is another way as well for love to convince the kofar in civilized way that they are wrong.

  • عبد الرزاق

    يافيصل ياخي المثل يقول الحر من غمزة والهبتي من دبزةهاذم الحكام ولله لن يحس يوم بذنب حتى يا تيهم ملك الموت كما ذكرت انت

  • lemjed

    سيدي الفاضل فيصل:
    ألا ترى معى أن التغيير على مستوى خطاب القادة قد يكون مبشرا ببداية تغيير على مستوى الفعل، الشيء الذى يستحق منا التشجيع بدل القراءات التأويلية المسبقة لهذا الخطاب، فأنا لا أتفق معك على قراءتك فى هذه الفترة على الأقل، إذ يجب منحهم فرصة لتجسيد خطابهم واقعا، وفى حالة العجز - الذى تراه أكيدا- أي بعد ذوبان الثلج وظهور المرج لن نتركهم ينعمون بالربيع، ولكن من حقهم الآن أن ينعموا بدفء شتاء خطابهم.

  • بدون اسم

    تاكد يااخي كل عربي يشبه اخاه

  • محمد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اما بعد انك يا اخي فيصل خارج التغطية ام انك تحب ان يستمر دورك في لعب دور المصلح
    وارج ان تكون مداخلاتك واقعية انت تحلم بزوال الحكام العرب
    ومن يخلفهم حكام عرب اخرين المشكلة في العقليات الاستبدادية وليس في الاشخاص
    اما بالنسبة للمشاكل التي يتخبط فيها العالم العربي
    هي تراكمات سابقة
    والحلول هي ان يملك كل انسان عربي فكر خلاق بناء
    وبدالك تكون الاسرة والمجتمع .
    اما بالنسبة للاختلاف العربي في التوجهات هدا شئ طبيعي كل دولة لها وجود خاص توثر وتتاثر به
    شكر

  • أنيسة

    لقد أثلجت دائما صدورنا من نيران الغضب.............
    لكن ماذا لو عرضت عليك حقيبة وزير الإعلام في بلد من بلداننا العربية...هل تقبل؟ وإن قبلت هل تغير حقا في ظل اوضاع اقل ما يقال عنها انها معقدة ايديولوجيا -سياسيا- دينيا.............

  • ح.ج

    يرحم الوالدة التي ولدتك

  • nadir

    hhhhhhhhhhhhh i agree with you ...you are the best faycal

  • توفيق

    شكرا جزيلا سيد قاسم، حقيقة من يرى الحكام في القمة العربية يستيقن انهم تائهون و حائرون امام تغافلهم عن قضايا المسلمين و العرب الحاسمة و بين رغبتهم كافراد في النهضة و الخروج على ولاية الغرب و انني اظن ان قضية فلسطين صارت تدمي القلوب و ان رائحة الذل تفوح فوق ما يحتملون شمه لهذا تراهم يتضمرون و يتأوهون، و في الاخير اقول "لكم من الله ما تستحقون يا بناة حائط العار"، و السلام و رحمة الله

  • رنده

    بعد بسم الله الرحمن الرحيم
    اشكرك اخي فيصل علي هدا المقال الرائع وانا اشاطرك الراي لانه مثل ما تفضلت الدي يشتكي من سوء وتردي الوضع يجب عليه ان يقدم علي التغيير ولو بقدر المستطاع لكن كما قلتن الكلام المنمق وسياسة الخداع ملتها الشعوب وفقدت الامل بالتالي من كل الحكام العرب الله يديمهم فوق راسنااااااااا

  • mohamed

    كتبت فأبدعت
    سطرت فأنتقيت
    فعجزت أنا عن التعبير
    سلمت أنامل خطت ما كتب

  • أم زينب

    ولو أنني لم أعد منذ زمن اهتم بالقمم العربية لعدم جدواها بل ولالحاقها الضرر الكبير بحالتنا النفسية والعصبية الا أنني قرأت مقالكم سيدي الفاضل وأضم صوتي لصوتكم.أرى أنها تتبيلة جديدة لحلقة جديدةمن المهازل السابقة،يعني،كسر للروتين.

  • ABDERRAHMANE

    همنا وضياع دمنا و أرضنا وسبب تأخرنا هم حكامنا
    و سلامتك يا أستاذ

  • بدون اسم

    kol kalamo sahih madam yakhafon min yahod wli maykhaf habibto israil