الرأي

عندما يسقط المطر ولا تُرفع المطاريات

الشروق أونلاين
  • 2198
  • 4

إقتنعنا منذ زمن بعيد أنه كلما تهاطلت الأمطار في باريس حملنا مطارياتنا، ليس خوفا من الغيث، وإنما تقليدا أعمى لشكل الآخر وليس لمضمونه، لكن يبدو أننا افتقدنا حتى القدرة على تقليد الحركات البسيطة التي أداها المرشحان للرئاسيات الفرنسية الرابح فرانسوا هولاند والخاسر نيكولا ساركوزي ومعهما هاته الجيوش الداعمة والناخبة، ومع أن الكثير من المرشحين للتشريعيات التي ستجري نهاية الأسبوع في الجزائر كانوا يرتدون الألبسة الفرنسية وينطقون في لقاءاتهم الحميمية المختلفة باللغة الفرنسية ومنهم حتى من يمتلك الجنسية الفرنسية، إلا أننا لم نشاهد أداء خلال الحملة الانتخابية التي لفظت أنفاسها الأخيرة يوم الأحد مشابها لما حصل في باريس.

حيث ارتفع المستوى في المناظرة بين المتنافسين وفي خطابيهما بعد الإعلان عن النتائج، حيث كان الشعب هو الفائز، بينما غرّد المترشحون عندنا لوحدهم، وفشلوا في الأمتار الأخيرة من الحملة الانتخابية من مواصلة سباق بدأ بطيئا وغاب في ختامه المتفرجون الذين من المفروض أن يكونوا الحكم الذي يمنح الميداليات لهؤلاء.

والذين يظنون أن السياسة الفرنسية الخارجية او الداخلية ستتغير مع تغير إسم الرئيس وحلول فرانسوا هولاند، مخطئون، لأن فرنسا لن تعترف مثلا بجرائمها الاستعمارية حتى ولو حكم البلاد رئيس من أصول جزائرية، ولن تعيد للمحجبات والمنقبات حريتهن المسلوبة حتى ولو حكم فرنسا رجل مسلم، وحتى التأشيرات والتضييق على المهاجرين سيُكمل مساره التصاعدي، لأن الرئيس الفرنسي عندما يدخل قصر الإليزيه لا يهمه سوى فرنسا وليس بلد آخر، وإذا مدّ يده نحو بلد فإنما ليأخذ وليس ليُعطي.

وإذا كانت الانتخابات التشريعية الجزائرية التي جاءت بعد الثورات العربية قد تزامنت مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية الذي جاءت بعد الأزمات الاقتصادية الأوروبية، فإن خمسينية الاستقلال هي التي زادت من أهمية الانتخابين، خاصة أن الذين ظلوا يرددون مقولة قديمة لشارل ديغول تكهن فيها بعودة الجزائر إلى فرنسا، أصبحوا يؤولونها بطريقتهم الخاصة، فيرون أن فرنسا تقدم نموذجا في الحرية والعدالة والمساواة تجسّد في المنافسة الراقية على كرسي الإليزيه، وأن الجزائر بقيت تراوح مكانها، حيث امتلكت الجغرافيا والمال والحرية وافتقدت “الحِكمة” الفرنسية، وإذا كان هؤلاء يؤوّلون كل عثراتنا كما شاءوا، وكل قفزاتهم كما شاءوا، فإن المؤسف أن بعضا منّا صار يحاول تجسيد أمنيات ديغول ويجعلها قاعدة حياتية تتجسد في كل مجالات حياتنا بما في ذلك الانتخابات.

خلال الحملة الانتخابية للرئاسيات الفرنسية قال فرانسوا هولند أنه لا مجال للتسامح مع الزاحفين نحو فرنسا، وقال أيضا أن منع النقاب والحجاب هو أهمّ إنجاز حققته فرنسا، وقال ساركوزي أنه سيقلص عدد التأشيرات لدخول فرنسا إلى أدنى مستوياتها، وخلال الحملة الانتخابية للتشريعيات الجزائرية قال رأس قائمة حزب كبير أنه سيسعى مع حزبه لإقناع فرنسا برفع عدد التأشيرات لدخول أراضيها، وعندما يكون برنامج الفرنسيين هو غلق أبواب فرنسا في وجه الجزائريين، وبرنامج بعض الجزائريين هو فتح أبواب فرنسا في وجه الجزائريين، فمن حقنا أن نخشى أن تتحقق أحلام ديغول بالمقلوب وهو ارتماء الجزائريين في أحضان فرنسا وليس عودة الفرنسيين إلى الجزائر؟

مقالات ذات صلة