عن الإلغاء الأحادي الجانب للاتفاق الجزائري الفرنسي لعام 1968 2/3
لاحظنا في الجزء الأول من مساهمتنا إلى أي مدى تعدّ هجرة الجزائريين إلى فرنسا نتيجة للسياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر والتي تحاول فرنسا استغلالها حاليا رغم التزاماتها منذ اتفاقيات إيفيان واتفاقية 1968، لننظر الآن إلى حجج أولئك المنددين في فرنسا الذين يريدون محو هذا الإنجاز المتعلّق بالتعاون الجزائري الفرنسي.
من بين هؤلاء المناهضين للاتفاق الأكثر شدة بلا شك كزافيي دريانكورXavier Driencourt، وهو ليس سياسيًا يمثل حزبًا، ولكنه دبلوماسي سابق كان، علاوة على ذلك، مرتين سفيرًا لفرنسا في الجزائر (2008-2012 و2017-2020). وفي هذا الصدد، يعدّ شخصا من المفترض أن يعرف الجزائر أفضل من العديد من مواطنيه، رغم هذا…
في مذكرة نُشرت في ماي 2023 لمؤسسة الابتكار السياسي اليمينية، بعنوان “سياسة الهجرة: ماذا تفعل بالاتفاق الفرنسي الجزائري لعام 1968؟” وفي مقابلة مع مجلة “لوبوان” يذكر الدبلوماسي الفرنسي السابق أن اتفاق عام 1968 يعود إلى فترة “سعت خلالها فرنسا إلى تشجيع وصول قوة عاملة أجنبية للاستجابة لتطوُّر اقتصادنا الذي كان فيه عدد العاطلين عن العمل أقل من ثلاثمائة ألف”.
وحسب قوله، فإن الهدف من الاتفاق كان ببساطة “تسهيل وتنظيم تداول القوى العاملة الجزائرية التي تحتاجها فرنسا” في لحظة معينة من تطورها.
بالعودة إلى اتفاقيات إيفيان التي استخلص منها اتفاقُ 1968 سبب وجوده، يعتقد درينكور أن هذا الأخير “جزء من الامتداد التاريخي والسياسي” لاتفاقيات عام 1962، من دون أن يكون “مرتبطا قانونًا” بها. هذا الكلام يحتاج إلى إثبات.
واتهم الجزائريين بالادّعاء بما يعتبرونه “حقًا موروثًا من التاريخ”، ويضيف أن الاتفاق الذي منحهم “حقوقًا باهظة لم يعد له أي سبب لوجوده في القرن الحادي والعشرين”.
وكأنه يبرر نفسه، يتذكر مؤلف الدراسة أن الإستراتيجية الفرنسية فيما يتعلق بالهجرة مشبّعة بـ”السخاء” وأن هدفها هو محاربة الهجرة غير الشرعية، لا أكثر. وفيما يتعلق بموضوع الهجرة غير الشرعية، فهو لا يتردد في إغراق أطروحته بالإحصائيات المتعلقة بالجزائريين فقط.
وإذا أردنا التقييم دعونا نحكم: لقد كتب السفير الفرنسي السابق أنه “بين عامي 2017 و2020، كان هناك أكثر من 10.000 جزائري في وضع غير نظامي ظلوا ماكثين كل عام في فرنسا وكانوا عرضة للاعتقال وبالإضافة إلى ذلك، تم إرجاع 10.000 شخص بمجرد عبورهم الحدود ولم يتم السماح لهم بدخول التراب الفرنسي”، وبعد ذلك، ما الذي يمكن أن يكون أكثر سخاءً من الترحيب الفرنسي؟ وطبقا لهذا التحليل، يصبح الطريق معبّدا بالكامل لمقاربة موضوع التصاريح القنصلية والتأشيرات.
تخضع رخص المرور القنصلية لتعديل عام 1994 المتعلق بإعادة قبول المواطنين الذين يُفترض أنهم في وضع غير قانوني للإقامة في فرنسا. أما التأشيرات فهي مسألة سيادة وطنية وقد تؤدي إلى المعاملة بالمثل.
ومع ذلك، من خلال فرض تأشيرات دخول على الجزائريين في عام 1986، أساءت فرنسا لروح ونص اتفاقيات إيفيان فيما يتعلق بحركة الأشخاص بين البلدين. من جهتها وتطبيقا لمبدأ ديبلوماسي مقدس، لجأت الجزائر إلى المعاملة بالمثل لإصدار التأشيرات للفرنسيين.
نظرا لأنَّ العلاقات الجزائرية الفرنسية تتطور صعودًا وهبوطًا منذ استقلال الجزائر بالإضافة إلى ظهور وباء كرونا مؤخرًا، تعطلت العمليات المتعلقة بكل من التأشيرات والتصاريح القنصلية لأسباب تنسبها السلطات الفرنسية إلى السلطات الجزائرية وحدها.
على سبيل “الانتقام”، قررت فرنسا في سبتمبر 2021 خفض عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين بنسبة 50٪ بسبب “عدم تعاون” الحكومة الجزائرية فيما يتعلق بإعادة قبول رعاياها الموجودين في وضع غير نظامي على الأراضي الفرنسية. وقد نددت الجزائر بشدة بهذا القرار الذي ألغته السلطات الفرنسية في 18 ديسمبر 2022، عندما أعلن وزير الداخلية الفرنسي في الجزائر العاصمة عن عودة “العلاقات القنصلية إلى مجراها الطبيعي”.
ومع ذلك، ليس من الضروري التركيز على القرار الفرنسي الصادر في سبتمبر 2021 لمعرفة أن التشدد في التأشيرات الممنوحة للجزائريين ليس جديدًا وعلى سبيل المثال، تكشف الإحصاءات ذات الصلة أن معدل رفض الطلبات الجزائرية يتراوح منذ فترة طويلة بين 30 و50٪ وعلى سبيل المثال، في عام 2017، بالنسبة لعدد 631.466 طلبًا، بلغ عدد الطلبات المرفوضة 233.754، وفي عام 2018، بلغ عدد الطلبات المرفوضة 275.740 طلبًا من 568.882 طلبًا، وفي عام 2019، وصلت التأشيرات المرفوضة إلى 157.307 مقابل 351.289 طلبًا فقط.
في فضاء شنغن Schengen في عام 2022، كان عدد الجزائريين الذين تقدّموا بطلبات للحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا 927 239 ومن هذا المجموع، تم رفض 115.807 طلبات. وهذه الأرقام جعلت فرنسا البلد الأول في منطقة شنغن في عدد رفض التأشيرات للجزائريين، متبوعة بإسبانيا وإيطاليا إذ تمثل نسبة الرفض الفرنسي أكثر من 64 % من كامل مجموع التأشيرات المرفوضة للجزائريين داخل فضاء شنغن الأوروبي.
وفي المقابل، أنفق الجزائريون 15.7 مليون يورو في عام 2022 على رسوم طلب تأشيرة شنغن!
ومن بين الحجج التي ساقها درينكور حول هذا الموضوع، فرض الجزائر تأشيرات على المواطنين الفرنسيين. وهذه الحجة هي عتاب موجه إلى السلطات الجزائرية التي “ترفض في كثير من الأحيان منح تأشيرات إقامة طويلة المدى للمواطنين الفرنسيين، ولاسيما الصحفيين والمتدينين، أو حتى رجال الأعمال والمدرِّسين”. هذه الادِّعاءات غير مبررة، بالطبع، بأي بيانات إحصائية.
ليست القيود المفروضة على التأشيرات وحدها هي التي تؤثر سلبا على علاقات فرنسا مع الجزائر، ولكن أيضًا على تصاريح الإقامة. وبالنسبة لأولئك الذين يقولون إن المواطنين الجزائريين يعامَلون معاملة متميزة، ليعلموا أن الإحصاءات الرسمية الفرنسية تشير إلى أنه في عام 2021، أصدرت المحافظات الفرنسية أكثر من 35.300 تصريح إقامة للمواطنين المغاربة، مقارنة بـ25.800 للجزائريين و17.400 للتونسيين.
أخيرًا ركزت انتقادات درينكورت وغيره من منتقدي الاتفاق على الفحص التفصيلي والدقيق للأحكام القانونية الرئيسية للاتفاق (مادة تلو الأخرى) في محاولة لدعم ادّعاءاتهم، وهدفهم ليس إعادة التفاوض بل الرفض الأحادي لاتفاق أبرمته حكومة بلادهم بكل سيادة، كما يقول درينكورت “لا توجد سياسة هجرة متماسكة ممكنة من دون شجب الاتفاق الفرنسي الجزائري”.
وبعد أن وضعوا أنفسهم في أعقاب سياسة الهجرة الفرنسية الجديدة، التي تجري مناقشة مسودة لها، يعتقد منتقدو الاتفاق أنهم لا يرون أي سبب “باستثناء الاتفاق الفرنسي الجزائري لعام 1968” لمناقشة نص يهدف إلى السيطرة على الهجرة، وذلك بناءً على الملاحظة أن “النسبة الكبيرة جدًّا من الأجانب يصلون إلى فرنسا عن طريق لمِّ شمل الأسرة أو ببساطة بتأشيرة سياحية، تأتي من الجزائر”، والخلاصة أن التعديلات التي أدخِلت في الماضي لم تعطِ أي نتيجة (طريقة وهمية) وأن الوقت قد حان لـلانسحاب من الاتفاق.
إن التوترات المتكررة في العلاقات الجزائرية الفرنسية ومشروع قانون الهجرة إلى فرنسا قد أعطوا “أجنحة” لـ”خبراء في الملف الجزائري” مثل الدبلوماسي الفرنسي السابق ولأعضاء معينين من الطبقة السياسية الفرنسية للتعبير عن عداوتهم شبه الدائمة ضد كل شيء يذكّرهم بوجود الجالية الجزائرية في فرنسا، والجزائر.
هذا هو الحال بشكل خاص مع رئيسة حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، التي كتبت في تغريدة لها في 20 أكتوبر 2022: “أود إعادة النظر في اتفاق 1968 بين الجزائر وفرنسا، والذي يسهّل بشكل كبير تدفقات الهجرة بين بلدينا. سأشترط في الحصول على التأشيرات للجزائريين الاحترام المطلق للأمر بمغادرة الأراضي الفرنسية.”
من جهته، ذهب إريك سيوتي Ciotti Eric) (رئيس حزب “الجمهوريين” اليميني إلى أبعد من ذلك باقتراح تعديل الدستور الفرنسي من أجل “إنهاء أفضلية التشريعات الأوروبية والاتفاقيات الدولية على القوانين الفرنسية”. عند الحديث عن الاتفاقيات الدولية، من الواضح أن الاتفاق الجزائري الفرنسي لعام 1968 هو المستهدَف. في وقت سابق، في تغريدة بتاريخ 28 سبتمبر 2021، كتب: “لنذهب أبعد من ذلك ونلغي اتفاقيات إيفيان التي تمنح الجزائر نظام هجرة استثنائيًّا يجب إلغاؤه” وليسعي بالتالي إلى القضاء على مكاسب التعاون الجزائري الفرنسي لأكثر من 60 سنة.
ليس من الضروري التركيز على القرار الفرنسي الصادر في سبتمبر 2021 لمعرفة أن التشدد في التأشيرات الممنوحة للجزائريين ليس جديدًا وعلى سبيل المثال، تكشف الإحصاءات ذات الصلة أن معدل رفض الطلبات الجزائرية يتراوح منذ فترة طويلة بين 30 و50٪ وعلى سبيل المثال، في عام 2017، بالنسبة لعدد 631.466 طلبًا، بلغ عدد الطلبات المرفوضة 233.754، وفي عام 2018، بلغ عدد الطلبات المرفوضة 275.740 طلبًا من 568.882 طلبًا، وفي عام 2019، وصلت التأشيرات المرفوضة إلى 157.307 مقابل 351.289 طلبًا فقط.
أخيرًا، من جانبه، انتقد رئيس وزراء ماكرون السابق، إدوارد فيليب Edouard Philippe (ماي 2017- جويلية 2020) اتفاق عام 1968. وفي مقابلة مع “ليكسبريس L’Express» نشرت يوم الاثنين 5 جوان 2023، دعا إلى التنديد بذريعة أن “الحفاظ على مثل هذا النظام اليوم مع دولة لدينا علاقات معقدة معها لم يعد يبدو مبررًا بالنسبة لي” وتحدّث عن “الهجرة الفعلية”.
إن ضراوة هذا التيار، الذي لا يمكن وصفه إلا بحملة مناهضة للجزائر، وجدت مكونات جديدة في أعمال الشغب التي أعقبت مقتل الشاب الجزائري نائل في 27 جوان الماضي على يد شرطي فرنسي أثناء تفتيش طريق في نانتير (Nanterre) ونُسبت هذه الاضطرابات للجزائريين فيما أشارت تصريحات السلطات إلى أن الغالبية العظمى من المشاغبين فرنسيون.
علاوة عن ذلك، قوبل رد الفعل المشروع للحكومة الجزائرية، التي أعربت في بيان صحفي صادر عن وزارة الخارجية يوم الخميس 29 جوان، عن “استيائها من الظروف المقلقة والمقلقة بشكل خاص” التي وقعت فيها الحادثة، بانتقادات شديدة من بعض الأصوات السياسية الفرنسية على أساس أنه “تدخل” جزائري في شأن داخلي في فرنسا رغم أن المتوفى ثنائي الجنسية، وبالتالي فهو مواطن جزائري.
ومن جهة أخرى، ومما لا شك فيه أن الإعلام المغربي اعتبر هذه الفرصة مناسبة لصبِّ مرارته على الجزائر لتكتب جريدة مغربية أن الرئيس الجزائري “كان يدعم أعمال الشغب في فرنسا بتحريض من الرئيس الروسي…”! إن السخرية لا تقتل بالتأكيد عند هؤلاء الناس.
وعادت نفس الدوائر الفرنسية إلى الاتهام بشأن قطعة من النشيد الوطني الجزائري تذكُر فيها فرنسا بالاسم والتي حدد مرسوم رئاسي ظروف تنفيذها.
إذن، ما المصداقية التي يجب أن تُعطى لاقتراح إلغاء محتمل لاتفاق 27 ديسمبر 1968؟
يتبع