-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عودة‭ ‬خبراء‭ ‬الحوار

عابد شارف
  • 4780
  • 1
عودة‭ ‬خبراء‭ ‬الحوار

أين كان الجل؟ ولماذا هذا الغياب الطويل؟ قال البعض إنه عاد إلى القرية التي ولد فيها ليعيش أيّاما سعيدة هادئة بعد أن أُحيل على التقاعد، بعد سنوات طويلة وشاقة قضاها في خدمة الوطن والجيش. وقالوا إنه قد ضحى طويلا ومن حقه أن يقضي أياما هادئة بعد أن قام بواجبه، حيث‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ملاحم‭ ‬الجزائر‭ ‬المعاصرة،‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬التحرير‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬الهمجية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الجزائرية،‭ ‬مرورا‭ ‬بمرحلة‭ ‬بناء‭ ‬الجيش‭ ‬الوطني‭ ‬الشعبي‭ ‬وإقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الجزائرية‭.‬

  • ومع تجربته الطويلة في الحياة العسكرية ثم السياسية، توفرت عند الرجل تلك الرزانة التي لا نجدها إلا عند أصحاب أكبر وأغنى التجارب في الحياة الدنيا. وفعلا، أصبح الرجل ينظر بسخرية إلى كل هؤلاء المناضلين الذين يدعون تغيير مسار الدنيا، كما أنه يعلق بسخرية على تصرف‭ ‬أولئك‭ ‬الانتهازيين‭ ‬الذين‭ ‬يستعملون‭ ‬خطابا‭ ‬عنيفا‭ ‬لمهاجمة‭ ‬الحكومة‭ ‬ثم‭ ‬يدخلون‭ ‬الصف‭ ‬ليطلبوا‭ ‬منصبا‭… ‬وأعطته‭ ‬تجربته‭ ‬الطويلة‭ ‬الرزانة‭ ‬الكافية‭ ‬ليعرف‭ ‬أن‭ ‬الطموح‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يتحول‭ ‬مع‭ ‬السنين‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬للثروة‭…‬
  • واليوم، فقد بلغ الرجل السبعين، وهي السن التي يفكر فيها الإنسان في تقييم حصيلة حياته، كما يفكر في كتابة مذكراته ليترك عن نفسه صورة تبقى خالدة… أوَلم تكن حياته مليئة بالذكريات التي يجب تدوينها؟ ألم يشارك في طرد فرنسا قبل أن يشارك في بناء الدولة مع أحمد بن بلة وهواري بومدين، قبل أن يصل إلى القمة مع الشاذلي بن جديد وعلي كافي؟ وتوصل الرجل، رفقة خالد نزار، إلى أعلى المناصب، فبينما كان نزار يحارب ميدانيا أعداء الدولة الجزائرية، كان الرجل يجتهد ليعطي تلك المغامرة قاعدة سياسية وإيديولوجية تتداولها الأجيال. وفي نهاية المطاف، شارك في تنظيم الحوار الوطني الذي أدى إلى تعيين اليمين زروال رئيسا للدولة الجزائرية، وكان ذلك أكبر انتصار له، وهو الانتصار الذي أكد أن الرجل يستحق أن يكون فعلا العقل المدبر للدولة الجزائرية…
  • أما‭ ‬اليوم‭…‬
  • أما اليوم، وقد أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن تنظيم حوار وطني للقيام بإصلاحات سياسية شاملة، فاضطر الرجل إلى العودة من جديد إلى الساحة… وكيف لا يعود إلى الساحة ليلبّي نداء الواجب الوطني؟ إنه مازال قادرا على التضحية ومستعدا لتقديم كل التضحيات… وموازاة لذلك، فإن الجزائر لا تستطيع أن تستغني عن أكبر الكفاءات وأحسن القدرات، خاصة وأن عملية الحوار السياسي قضية صعبة ومعقدة، تتطلب تجنيد كل الطاقات… وهل يوجد في الجزائر بل وفي العالم العربي من هو أعرف بالحوار من الجنرال محمد تواتي؟
  • وسيشرع الجنرال تواتي، رفقة السياسي المحنك عبد القادر بن صالح، ابتداء من هذا الأسبوع، في تنظيم حوار سياسي شامل كامل سيسمح بمشاركة كل القوى السياسية في البلاد لينتهي السنة القادمة بالموافقة على دستور جديد. نعم يا سيدي… ستصادق الجزائر على دستور جديد السنة القادمة‭… ‬ولا‭ ‬يدخل‭ ‬الجنرال‭ ‬تواتي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬إلا‭ ‬وتنجب‭ ‬دستورا‭ ‬جديدا‭ ‬ورئيسا‭ ‬جديدا‭.‬
  • ومع وجود الجنرال تواتي في لجنة الحوار، فإن العملية ستنجح لا محالة. وبفضل الجنرال تواتي، سيحاور النظام نفسه، ويلتقي الأحزاب التي أنشأها أو قام بتعيين قادتها، وسيتفاوض مع المجتمع المدني الذي يأكل من فضلاته. وسيستمع إلى الآراء التقدمية التي سيتفضل بها السيد عبد العزيز بلخادم ويناقش الأفكار العلمية التي سيقدمها السيد بوقرة سلطاني، دون أن ننسى رموز العصرنة والتقدم التي ستشملها أطروحات السيد أحمد أويحيى وحزب التجمع الوطني الديمقراطي. وستتمثل إحدى أهم محطات الحوار في تحليل مزايا النظام البرلماني التي سيناقشها أحد أبرز‭ ‬قادة‭ ‬الأفلان،‭ ‬وهو‭ ‬السيد‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬بلعياط‭.‬
  • ولا شك أن الجنرال تواتي سيعرف كيف يجمع بين كل هذه الآراء المتناقضة، ليخرج بدستور جديد يضمن الحريات ويحترم حقوق الإنسان، ويكرس التعددية. وليس من المهم أن نتكلم عن محتوى الدستور بالتفاصيل، وسنكتفي بالتركيز على أهم نقطة، لأنها أساسية في بناء الديمقراطية في البلاد،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الدستور‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬أبدا‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬من‭ ‬تعيين‭ ‬الرئيس‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬لخلافة‭ ‬السيد‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬بوتفليقة‭.‬
  • أما‭ ‬الباقي،‭ ‬كل‭ ‬الباقي،‭ ‬فهو‭ ‬ثانوي‭… ‬وسيؤكد‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬الجنرال‭ ‬تواتي‭ ‬ضابط‭ ‬بارز‭ ‬ماهر،‭ ‬لا‭ ‬يفشل‭ ‬أبدا‭ ‬في‭ ‬المهام‭ ‬التي‭ ‬يكلف‭ ‬بها‭ ‬مهما‮ ‬كانت‭ ‬صعوبتها‭.‬ 
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عمر التلمساني

    يعطيك الصحة يا سي عابد، أسلوب سهل وممتنع حقا، وتنوير لعقولنا بطريقة ساخرة و تهكمية. على فكرة: كنت أقرأ لك بالفرنسية و ما كنت أحسبك تجيد العربية (قياسا على جيلك) لكن تفاجأت يوما وأنا أقرأ لك (صحيفة الأحداث 2002) بالعربية. شكرا.