الرأي

عودة أهل الإفك

الشروق أونلاين
  • 3768
  • 5

اعترف أزيد عن نصف مليون طالب أنهوا اجتيازهم شهادة البكالوريا، أنهم خاضوا الامتحان قبل الامتحان، بعد أن تهاطلت عليهم عبر قنوات التواصل الاجتماعي وبرقيات النقّال، وعبر قنوات بشرية، أسئلة لا أحد عرف مصدرها، ولا الهدف منها، قدمت لهم نماذج كاملة محبوكة بدقة متناهية، جعلتهم يبتلعون سمكة “جوان” كاملة بذيلها إلى حد التخمة، فسهر بعضهم إلى غاية الفجر، وترك آخرون دروسهم، وتهافتوا على حل تمارين وتحليل نصوص، وسط إشاعة بعثرت تركيز الطلبة، وأكدت أن بيوتهم المعنوية أوهن من بيت العنكبوت، أمام عاصفة إشاعة مازال مفعولها ساريا في بلد تصنع فيه التكنولوجيا الكثير من المآسي الاجتماعية والفكرية، وتزيد من تخلفه، وتكاد تكون الجزائر البلد الوحيد في العالم التي يطل فيها الوزراء والمسؤولون الكبار لينفوا إشاعات تحوّلت إلى أخبار “أصدق” من اليقين.

الإشاعة لم تتوقف عند حدود طلبة وأساتذة البكالوريا، بل امتدت إلى الاقتصاد والرياضة والمجتمع والسياسة، وتمكنت من صنع الكثير من الأزمات، رغم أن الإشاعة انقرضت لدى أنظمة وشعوب العالم، منذ أن أصبح تأكيد أي خبر أو نفيه يستغرق أجزاء من المئة، في عالم بحجم قرية يتواصل فيه الناس بالصوت والصورة في لحظات من أي مكان في العالم، فإذا كان الألمانيون قد توقفوا عن ممارسة مزحة الفاتح من أفريل، لأنهم ما عادوا يصدقون سوى الأخبار المنطقية، فإن تحويل كل أيامنا إلى مزح يُصدّق فيها الناس الإشاعات، إنما هو نابع عن فقدان الثقة بين القمة والقاعدة، لأن الذي فك ألغاز مسألة رياضية ليلة امتحان البكالوريا، إنما هو مقتنع بأن الأسئلة تطير وتُبحر وتزحف هنا وهناك، والذين يصدقون إشاعة ندرة المواد الأساسية، فيخزنون أطنانا منها أو يحوّلون بيوتهم إلى مبردات، إنما قنطوا من منظومة اقتصادية مجنونة لا بوصلة لها، ترتفع فيها الأسعار ويعجز الوزراء عن استشراف ما سيحدث غدا، فما بالك خلال السنوات القادمة، وأمام المواطنين نماذج تجعلهم يبحثون في سلة الإشاعة عن حقيقة افتقدوها، فقد قيل لهم إن الطريق السيّار سيتم تسليمه قبل عام 2011، وقالت لهم الإشاعة إنه لن يكون في الخدمة بالكامل قبل 2014، وقيل لهم إن الصيدليات والمستشفيات لن تشهد ندرة في الدواء بعد 2010، وقالت لهم الإشاعة إن الندرة ستشمل الكثير من الأدوية، وقيل لهم قبل عشر سنوات إنه سيتم القضاء على الدروس الخصوصية، وقالت الإشاعة إنها ستصبح المدرسة الموازية التي يهرب إليها التلاميذ من المدرسة النظامية، وقيل لهم إن الأحزاب السياسية لا لهيب فيها، وقالت الإشاعة إن لكل حزب خصوم يحملون ملفات فضائح، ومرت الأيام والسنوات وتمكنت الإشاعة من أن تبني لنفسها إمبراطورية على أنقاض الحقيقة الغائبة، فطارد تلاميذ البكالوريا خيوط دخان الإشاعة، رغم تأكيدات مسؤولي وزارة التربية.

تُعرّف الإشاعة كمصطلح بأنها المعلومات التي يتناقلها الناس من دون أن تكون مستندة إلى مصادر موثوق بها، وهي الترويج لخبر من نسج الخيال، لا أساس له من الحقيقة، أو يحتوي على جزء ضئيل جدا من الحقيقة.. وللأسف هذا الجزء الضئيل جدا هو الذي مازال بعض المواطنين يصدقونه حتى لا نقول كل المواطنين!

مقالات ذات صلة