غربانُ الخراب تنعق على الجزائر!
عندما تروّج “لوفيغارو” الفرنسية لانفجارٍ وشيك في الجزائر على الطريقة السورية، بعد أيامٍ من ترديد معهد دراساتٍ أمريكي لاستنتاج مشابه، فإنه يحقّ لكل جزائري يخشى على استقرار بلده أن يتساءل عما إذا كان الأمر يتعلق بمجرّد توقعاتٍ واستنتاجات وحتى بأمنيات خبيثة؟ أم يتعلق بمخططاتٍ غربية لتفجير الجزائر وتقويض قُدرات جيشها كما فُعل بالجيش السوري وقبله العراقي؟
هذه التساؤلات ينبغي أن تُطرح بجدّية سواء في دوائر القرار بالبلد لاتخاذ أقصى الاحتياطات الممكنة على الحدود وكذا تعزيز الجبهة الداخلية، أم حتى لدى المواطنين البسطاء الذين يُحَرَّضون باستمرار منذ 5 سنوات على الالتحاق بشعوب “الربيع العربي”، رغم ما جلبه هذا “الربيع” لبلدانها من خرابٍ ومآسي، باستثناء تونس.
لا نجادل في صحّة ما تذكره هذه الصحف والمراكزُ البحثية الغربية عن الصعوبات الاقتصادية والمالية الخانقة التي تواجه الجزائر بسبب انهيار أسعار النفط وتأثيرها سلبا في الجبهة الاجتماعية، فضلاً عن التهديد المتنامي الذي أضحى يشكِّله “داعش” على حدودنا الشرقية، لكن كل هذه المصاعب لا تعني أن البلد قد شارف على الانهيار، أو أن الشعب يغلي كالمِرجل وينتظر أدنى شرارة للانفجار وتخريب بلده بيديه.
البلد لم يصل إلى حدّ الإفلاس، أو العجز عن استيراد الغذاء والدواء والحاجيات الأساسية لسكانه، ولا يزال يملك مواردَ واحتياطات صرف تمكّنه من تخفيف وطأة الأزمة نحو ثلاث سنوات إذا انتهج سياسة استيراد أكثر تقشّفا وصرامة، كما أنه وضع مخططا لتطوير بدائل اقتصادية، ومنها الفلاحة والسياحة والطاقات المتجدّدة وكذا الصناعات الميكانيكية عبر الشراكة… ورغم أن هذه المشاريع الواعدة وغيرَها تحتاج إلى وقتٍ لتنضج وتشكل بديلا للريع النفطي، وكان ينبغي أن تذهب إليها البلاد منذ عقودٍ عديدة، إلا أنها خطوة في الطريق الصحيح ولم يفُت الأوان بعد، وينبغي أن تتشبّث بها حتى لو ارتفعت أسعارُ النفط مجددا.
أما على الصعيد الشعبي، فإن الجزائريين لم يفقدوا عقولهم حتى يخرّبوا بيوتهم بأيديهم؛ فإذا كانت هناك صعوباتٌ اقتصادية ومعيشية، وحتى مظاهر “حقرة” وتهميش وحرمان، وغياب للديمقراطية الحقيقية… فإن الحلّ لا يكمن في السيناريو السوري الذي يروّج له غربانُ الغرب، وبعضُ الجزائريين الموتورين أمثال بوعلام صنصال، بل يكمن في الإصرار على المطالبة بحقوقهم المشروعة، وبالإصلاح، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، بطرقٍ سلمية وحضارية معروفة.
لقد عزف الجزائريون جميعا عن المشاركة في المظاهرات “السبتية” في عام 2011 خوفا من العودة إلى العشرية الحمراء، لذلك ستكون هذه العشرية بمثابة لقاح ضد أي سيناريو سوري خطير يُراد استنساخُه في الجزائر، ولن تفلح “داعش” ليبيا، ولا كل المؤامرات الغربية في جرّ الجزائريين إليه.
لكن هذا لا يعني أن على السلطات أن “تنام” مرتاحة؛ بل هي مدعوّة إلى تعزيز الجبهة الداخلية والسلم الاجتماعي بانتهاج سياسة إصلاحيةٍ قائمة على دمَقرطة الحياة السياسية، والسماح بانتقالٍ سياسي سلس حفاظا على استقرار البلد، والصرامة في مكافحة الفساد، والبيروقراطية، ومختلف مظاهر “الحقرة”، وتثمين الموارد البشرية والعلمية التي يزخر بها البلد، وانتهاج سياسةٍ اجتماعية أكثر عدلا وإنصافا بين المواطنين ولاسيما في مجالات توزيع المساكن والأراضي ومناصب الشغل… ربّ اجعل هذا بلدا آمنا.