غلاء المعيشة يجبر الجزائريين على تغيير عاداتهم الاستهلاكية
إنقاص الزّيوت، تجنب التبذير، السؤال عن الأسعار والتبضع من أسواق شعبية.. هي بعضُ السلوكات التي كانت غائبة عن ثقافة الجزائريين، وأوجدتها ظاهرة انهيار القدرة الشرائية وغلاء المعيشة..
عرفت معيشة الجزائرييّن في ظل جائحة كورونا، تدنّيا ملحوظا، بسبب الغلاء العالمي للمنتجات، وإجراءات الغلق للوقاية من الفيروس.. فغابت عن موائدنا كثير من الأطباق، ولعلّ أهمها السمك واللحوم بأنواعها.
وشهدنا مؤخرا غلاء لمنتجات كانت أكثر طلبا، ومنها البطاطا والزيت وبودرة الحليب، ومختلف أنواع العصائر، فغاب طبق “الفريت” المفضل للجزائريين، وصارت أسعار “الساندويتشات” نارا، ولم تعد “المقليات” عنصرا أساسيا في أطباقنا.. كل هذه الأمور ساهمت في تغيير سلوكات المواطنين إلى الأفضل، حسب مُختصين في التغذية.
ندرة الزيت حوّلت الأنظار نحو الأكل الصّحي
تخلت كثير من الأسر عن “المقليات” بسبب ندرة زيت المائدة وغلائه، متوجهين نحو الخضر “المفورة” والشواء، وصارت ربّات البيوت يكتفين بملعقة زيت أو اثنتين لا أكثر في الأطباق، بينما توجهت أخريات لاستعمال زيت الزيتون الصحي، وجميعنا يعلم مخاطر الزيوت المصنعة على الصحة.
مناقشة الأسعار واختيار الأرخص ثمنا
وإلى وقت قريب، كان قلة فقط من يستفسرون عن أسعار المنتجات عند التبضع، فتجدهم يشترون أغراضا كثيرة ويسدّدون ثمنها دون السؤال عن سعر كل غرض. وهي الثقافة التي تغيرت كلية مؤخرا، إثر غلاء الأسعار المتواصل، فصرنا نسأل عن ثمن كل غرض قبل الشراء، ونقارن الأسعار ونشتري الغرض الأقل ثمنا، وندخل في جدال ونقاش مع الباعة، ولا نقتني أكثر من احتياجاتنا، وبالتالي، فقد غاب التبذير عن ثقافتنا، وهو سلوك جيد، حسب خبراء في الاقتصاد، لتدبير المعيشة والتحكم في المُرتب الشهري.
سلوك تبذير الخبز صار من الماضي
وللجزائريين قصة عشق مع الخبز المدعم، إذ لا يمكن أن يدخل رب الأسرة منزله، دون حمل 5 خبزات على الأقل يوميا، غالبيتها تذهب للقمامة، خاصة وأنّ الجزائري يفضل تناول الخبز الساخن يوميا، لكن مع غلاء سعر الخبز، تغيّرت العادة، وأصبحت الغالبية تشتري ما تستهلكه فقط، وتقبل تناول الخبز “البايت” دون حرج. واتجهت النساء إلى العجن، الذي تخلت عنه كثيرات، ولا حرج لديهن في استعمال الفرينة “السوداء”، والأقل جودة وسعرا، مادامت تعطي خبزا عاديا.
شراء الخضر بكميات قليلة جدا
ولم تعد الخضر والفواكه تذبل في أدراج الثلاجة، لأن العائلة أصبحت تشتري الكمية التي تحتاجها فقط، حتى ولو كانت عبارة عن حبتين طماطم ورطل جزر وحبّتين كوسة. والعصائر باتت تحضر منزليا، بعد ارتفاع أسعار المصنعة، التي ناهزت 200 دج للقارورة، ومثلها مختلف أنواع المعجون المنزلي.
وفي ظاهرة جديدة، أصبح المواطنون يتنقلون ويبحثون عن الأسواق الأقل سعرا، حتى لو كانت بعيدة، وهو ما أعاد النشاط والحركية للأسواق الشعبية عبر الوطن، وللباعة المتجولين عبر الأحياء.
وباتت اللّحوم بأنواعها تُقتنى بكميات قليلة جدا، حيث قال أحد الجزارين: “زبائني الذين يُعتبرون من الطبقة الميسورة، باتت مشترياتهم قليلة ومحدودة مؤخرا، فما بالك بالعائلات متوسطة الدخل؟؟ “.
استبدال علب وغبرة الحليب بأكياس الحليب المدعم
وعاود الطلب على أكياس الحليب المُدعم في الارتفاع، إثر غلاء أسعار علب الحليب والبودرة، وصارت عائلات ميسورة تقتني أكياس الحليب المدعم، وهذا حسب تأكيد تجار تجزئة لـ “الشروق”.
ولأنّ النباتات الغذائية، هي المنتج الوحيد الذي لم يطله الغلاء، صار الطّلب على “السّلق” و”القرنينة” و”الخُبيّز” كبيرا جدا، بل أصبح البعض يتنقل إلى غاية الغابات بحثا عن هذه النباتات لاستهلاكها، خاصة أنها غنية بالفيتامينات ومصادر الطاقة، التي غابت عن موائدنا مع غلاء اللحوم والبيض.
مياه الينابيع أو الحنفية عوّضت المياه المعدنية
أما بخصوص المياه المعدنية، التي وصل سعر الـ “الفاردو” منها حتى 220 دج، فقد عوّضها الجزائريون بمياه الينابيع بوسط الغابات أو على حافّة الطرقات، لملء دلاء الماء. وأكد لنا مواطنون، أنهم يتنقلون إلى الجبال لإحضار كميات ماء شرب يكفي لمدة شهر كامل. وآخرون عادوا لشرب مياه الحنفيات، التي هجروها منذ سنوات.
المهنة الثانية.. أضحت ضرورة
وعادت ظاهرة بحث الموظفين والموظفات عن مهنة ثانية، يزاولونها بعد الدوام الرسمي من أجل التمكن من تلبية احتياجات أسرهم المتزايدة، أما فئة الشباب فلم تعد تتكبر على العمل، فصرنا نراهم يعملون في جمع الخضراوات والفواكه بالحقول، وينبشون في حاويات القمامات، بحثا عن النحاس والبلاستيك لبيعه للمصانع. وكثرت شاحنات جمع “الأثاث القديم” المتجولة بين المنازل، لأن العائلات أضحت تبيع أثاثها القديم بدل التصدق به، كسبا لبعض الدراهم.
الأكل المنزلي صار رفيق الموظفين
والظاهرة الجديدة، أنّ أغلب الموظفين والعمال رجالا ونساء، صاروا يحضرون غداءهم بالمنزل، مُتجنبين أكل المطاعم و”الفاست فود” بسبب الغلاء، فظهرت موضة حمل الموظفين لحقائب أكل صغيرة أثناء توجههم للعمل.
وفي الموضوع، أكد المدرب والمختص في التغذية الصحية، محمد عبد سلام بن عروس لـ “الشروق”، بأن كثيرا من المواطنين، صاروا يقتصدون في الغذاء مؤخرا، كما تحولت الأنظار نحو الأكل الصحي.
والأمر الجيد، حسبه، هو إنقاص الزيوت والمقليات في أطباقنا، بسبب ندرة زيت المائدة، وجميعنا يعلم الأضرار الصحية عند الإكثار من تناول الزيوت. كما أصبح كثيرون يتجنبون الأكل السريع “الفاست فود” الذي لطالما حذرنا منه، لتسببه في مرض ارتفاع الكوليسترول والسمنة.
ولكن المؤسف في ظاهرة الغلاء، هو تناول العائلات أكلا فقيرا من حيث البروتينات والفيتامينات، حيث قال: “غلاء اللحوم بأنواعها والبيض، جعلت أكلنا فقير من الناحية الغذائية، وخاصة من عنصر البروتين المهم جدا للصحة”. وحسبه، حتى من يعتمدون نظاما أو ريجيما صحيا، عليهم تناول مصادر البروتينيات، ولو مرة أسبوعيا.
وكشف المختص، بأن كثيرا من المواطنون يتصلون به مؤخرا، خاصة من العنصر النسوي، عبر صفحته على تطبيق “أنستغرام” للسؤال حول نوعية الأكل الصحي، والنمط الغذائي لتفادي السمنة أو النحافة، أو للتكيف مع أمراضهم المزمنة. وقال المختص: “الأكل الصحي يعتبر دواء فعالا جدا، بل هو أهم من الدواء في حد ذاته لمعالجة والوقاية من كثير من الأمراض الخطيرة، فالغذاء غير الصحي هو أصل الداء”.