غير قابل للنقد..!!
لعلّ من جماليات الموسم الدرامي الرمضاني، في كل عام، أنه يسحب وراءه عدداً من “الزوابع” الإعلامية الكاريكاتورية المسلية، التي يستمتع بها العاملون في الوسط الفني، وجمهور المشاهدين، في آن معاً..
-1-
يبدأ برنامج هذه “الزوابع” _ عادة _ بلوحة “الحرب العادلة” بين أهل الدراما، فرادى أو مجتمعين من جهة، والرقابة التلفزيونية من جهة ثانية، وهي الفقرة الأكثر إمتاعاً، لما فيها من صراع شائق بين فريق الفنانين الذين يرفعون “لافتات” حرية الفكر والإبداع الفني، في وجه الآلة التقليدية للقص والمنع، حتى إنك لتجد بعض “مثقفي” الفنانين يمحورون جهودهم حول مقولة فولتير الشهيرة التي طالما زيّنت صدرها بها صحف ومجلات عربية عديدة: “قد أختلف معك في الرأي.. ولكنني مستعد لأن أدفع حياتي ثمناً للدفاع عن حقك في التعبير عن رأيك..!!”. ويواجههم بعض “مثقفي” الرقابة، بقول آخر لفولتير نفسه: “أعطني ثلاثة أسطر لأشدّ المفكّرين والكتاب حرصاً.. وأنا كفيل بأن أستخرج لك منها معنى يجعله جديراً بحبل المشنقة..!!”..
ومن أمثلة ذلك التمثيلية الكوميدية المستقاة من التراث الشعبي، وفيها يستجيب السلطان لمطالب الشعب فيرسل إليهم والياً جديداً بدلاً من الوالي القديم الذي ضجوا من قسوته واستفحال فساده ولصوصيته.. ويبدأ الوالي الجديد بتنفيذ الخطة الاعتيادية من الولاة، في عهود الظلام السياسي، حيث يستخدم كل أنواع القسوة المعروفة والمبتكرة، في تحصيل الضرائب الباهظة من الشعب، ويتفنن في اختراع الضرائب الجديدة ليكنزها ويختزنها في جرته الفخارية الكبيرة، التي جلبها معه لهذا الغرض، وحين يجأر الناس بالشكوى من مظالمه وسرقاته، يلومهم أحد “عقلاء” الولاية بقوله:
– هذا ما أردتموه..!! لقد عملتم على إزاحة الوالي القديم الذي ملأ جرته بالذهب، وارتخت يده عن النهب والسرقة، وجئتم بهذا الوالي الجديد ذي الجرة الفارغة..!! فذوقوا عذاب ما قدمته لكم حماقتكم من ويلات..!!
ولعل هذه “اللوحة” هي الوحيدة التي يقف فيها جمهور المشاهدين بأكمله إلى جانب أهل الفن ضدّ الرقابة، مهما كان موضوع النزاع..!! فللرقابة تاريخ “عالمي” من السمعة السيئة.! والمثل يقول: “عدو عدوّي صديقي!!” و”إذا كنت لا تستطيع أن تختار حريتك.. فينبغي ألا تقف مع القيود..!!”.
-2-
وإذا كان الصراع مع الرقابة دائماً دون جدوى، فكثيراً ما تأتينا المواسم بأشكال جديدة من هذا الصراع، كأن يرفع أحد المخرجين دعوى قضائية ضدّ الرقابة، يطالب فيها برد الأذى الذي لحق به جرّاء سوء “فهمها” لمعايير “حبّ الوطن”، وبإنصافه من الاتهامات الظالمة التي رُشق بها، في هذه المعركة غير المتكافئة، ومثال ذلك أن مسلسلاً تاريخياً تطرق إلى بعض الثورات السورية التي قامت ضد الفرنسيين عند نزول جيوشهم في الساحل السوري تنفيذاً لاتفاقية “سايكس بيكو” سيئة الذكر، وتمهيداً للخطة الاستعمارية المتفق عليها بين الحلفاء قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى.. وقد ورد في سياق ذلك المسلسل أن تلك الثورات كانت تتلقى مساعدات عسكرية من مصطفى كمال أتاتورك زعيم تركيا التي كانت تقاوم هي الأخرى مخططات الحلفاء في تقاسم تركة “الرجل المريض” الإمبراطورية العثمانية..!!
وقد أدت هذه “المعلومة” إلى معركة كبيرة.. إذ يؤكد أصحاب المسلسل أنها معلومة تاريخية مثبتة، ولا ضرر ولا ضرار في إيرادها.. وتصر الرقابة على أنها غير صحيحة.. وأن إيرادها “وإن كانت صحيحة” يسيء إلى نقاء تلك الثورات السورية.. إلخ.. وفق الرؤية الوطنية “الصوفية”..!!
ورأيي أننا لم نكن في خاتمة ذلك النزاع، سوى مجموعة من الأسماك في حوض زجاجي كبير شفاف.. نروح ونجيء في حركة دائرية بحثاً عن هدف واحد.. ولم يكن مقدراً لنا أن يصطدم أحدنا بالآخر.. حسب قواعد هذه اللوحة الكاريكاتورية التقليدية..!!
-3-
وتجيء بعد هذا لوحة “الاتهامات المتبادلة” بين بعض المخرجين والمؤلفين، وفيها يدفع كل فريق منهما عن نفسه مسؤولية الضعف والفشل، ويركلها باتجاه الفريق الآخر.. وهي لوحة لا تخلو من متعة، لبعض المشاهدين الذين يعانون من الملل طوال العام، ويجدونها فرصة لممارسة لعبة التحزّب لهذا الفريق أو ذاك.. حيث الجميع يمثلون.. ويتفرجون.. ومن مصلحتهم أن يصدقوا مثل هذا الخلاف بين ممثل ومخرج..!!
-4-
وهناك لوحة ظريفة غير دورية.. تمر بنا مثل المذنبات السماوية التي تغيب طويلاً.. ثم تظهر دون حسابات فلكية مضبوطة.. إنها.. تلك اللوحة التي يتبادل فيها مؤلفان أو أكثر _تهمة سرقة النص الدرامي من الآخر.. فلا يمر ذلك الموسم _ غير الدوري _ دون أن ينتف أحدهما ريش الآخر.. ليكتشفا بعد نهاية المعركة، وانفضاض المتفرجين، أنهما لم ينتفا سوى ريش ذلك المسلسل نفسه..!! وأنه قد أصبح في ساحة المعركة الدامية وحيداً هزيلاً منبوذاً، مثل “فرخ البط القبيح” في القصة الشهيرة، التي تحمل هذا العنوان، للكاتب الدانماركي “هانز كريستيان أندرسن” (1805 – 1875)، أو معزولاً مفرداً مثل الجمل الأجرب المطلي بالقطران أو “القار الأسود” الذي تحدث عنه طرفة بن العبد (543 – 569) في معلقته:
إِلَى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيْرَةُ كُلُّهَا وأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيْرِ المُعَبَّدِ
-5-
وفي المواسم كلها كانت تتضح لنا _ وما تزال _ “لوحة” النقد الفني بين “الناقد والمنقود” على أنها موضوع شائك، وقضية ملتبسة يحاذرها النقاد، ويشكك فيها أهل المنتَج الفني سلفاً..!! ولن أستنكر إذا ما رأيت شريطاً يعرض أسفل الشاشة مع كل عمل درامي مكتوباً عليه: “عمل غير قابل للنقد” أو “المطلوب من النقاد كسر أقلامهم”..!!