فن إخفاء العيوب
حين عرضت الحلقات الأوليات من مسلسل “أيام شامية”، في أواسط التسعينيات ـ وهو الجد الأعلى لمسلسلات البيئة الشامية ـ استنكر الناس، من مختلف الشرائح الاجتماعية، أن يتبنى التلفزيون الحكومي إنتاج مثل هذا العمل “التافه”، حيث لا مضمون عميق، ولا أحداث مهمة، ولا شخصيات قادرة على أن تشد قلوب المشاهدين، فالبطل الأول في هذا العمل بدا بلا بطولة: “إنه محمود الفوال الشاب الذي اضطرته الظروف إلى أن يرهن شعرات من شواربه عند أحد التجار، لقاء مبلغ من المال، وحين يعيد ذلك المبلغ بعد حين، يكتشف التاجر أن الشعرات ضائعة، في حين أن إحدى زوجتيه قد سرقتها من صندوق الزوجة القديمة، لتحرض الزوج التاجر عليها، وهذا هو كل جوهر الصراع الأساسي في العمل!! “.
وقد فتح لغط الناس – بهذا الاحتجاج – باباً كبيراً أمام قراء النصوص الدرامية الذين فرضت عليهم الموافقة على إنتاج هذا العمل من الأعلى “ربما من المدير العام أو الوزير” ليفرغوا بالوناتهم المنتفخة غيظاً :
-( ألم نقل لكم ؟؟!! ألم نرفض هذا السيناريو مرات عديدة، بما فيها آخر نسخة معدلة قبل التصوير؟؟ ألم نبين بالأدلة القاطعة أن هذا النص بلا معنى !! و”لاطعم له ولا لون ولا رائحة” !! وها أنتم تشاهدون نتائج هذه الاستهانة بمقومات الدراما كافة..!! )
غير أن الحلقات التالية لم تلبث أن قلبت الموازين كلها لصالح العمل، فبعض الناس بدؤوا يستشعرون “الطرافة” و”الظرافة الشامية” التي تفوح من ثنايا التفاصيل والمنمنمات الفولكلورية الأصيلة، وبعضهم الآخر سحرتهم بساطة الأحداث وتطوراتها، و”البساطة هي الفن عند غالبية النقاد”، وتنامى شعور عام عند المشاهدين بالاستمتاع حتى لو لم يكونوا قادرين على تحديد مصدر هذه المتعة!!. وتبدل موقف قراء النصوص جزئياً فقالوا: (الناس لا يهمهم العمق ولا متانة بناء الحكاية..إنهم مسحورون بأداء الممثلين الذين نشهد لهم بالتفوق على أنفسهم..ومأخوذون بتفاصيل البيئة والأزياء المتقنة..وبالحوارات “العتيقة” وطريقة أدائها المفخمة..ولا أكثر من ذلك”!!).
وانتهى عرض المسلسل القصير (12 حلقة) بنتائج ومواقف متعددة: لقد استاء غالبية المشاهدين من هذه النهاية العاجلة، لأنهم لم يرتووا من ذلك الحلم الدرامي الممتع، وأكدت الصحافة ماذهب إليه الجمهور، فطالبت بالمزيد من هذه “الأحلام الشعبية”..وشاعت في الأوساط المتعلمة معلومة بأن هذا المسلسل مقتبس من كتاب قديم هو “حوادث دمشق اليومية” الذي كتبه – في أواسط القرن الثامن عشر – حلاق شعبي بسيط يدعى “أحمد البديري”، وبدأ القراء يتخاطفون هذا الكتاب بحثاً عن الارتواء من أجواء المسلسل، وتنبه الناشرون فأصدروا طبعات عديدة نفقت جميعها خلال مدة قياسية!! وقد وقعت نسخة منه في يدي أيامئذ، فلم أجد فيه مصدراً يعتد به _ “أيام شامية”..وإن ضم بين دفتيه وقائع وفظائع وغرائب عديدة، مما حدث في دمشق إبان الحكم العثماني في تلك الحقبة، كتبها الحلاق البديري بلغة ركيكة منفرة، ولم تستطع تدخلات المحقق – في إعادة صياغته – تخليصه من الركاكة والإملال. لكنني عثرت فيه على كنز توثيقي مفصل عن رحلات الحج الشامي إلى مكة المكرمة، وهو ما سوف يستفاد منه في المسلسل التالي “الخوالي”.
وبالعودة إلى النتائج والمواقف التي تلت عرض “أيام شامية”، سنجد أن إدارة التلفزيون، وبتوجيهات عليا، طلبت من المؤلف أكرم شريم أن يبادر فوراً إلى كتابة جزء ثان، أو عمل آخر، وبالسرعة الفائقة، كما أمرت دائرة النصوص _ رغم عدم اقتناع القراء فيها- بأن تدفع له سلفة مالية معتبرة، وقد تم ذلك في أجواء احتفالية لم يحلم بها، منذ أن حظيت مجموعته القصصية الوحيدة – في أوائل السبعينيات _ بفرصة النشر في القاهرة. غير أن الأيام والأعمال لا تجري على نسق واحد دائما.. وهذا ما حصل لمؤلف “أيام شامية” ..فقد بقي يحك رأسه سنوات عدة، دون أن يتمكن من صياغة ملخص أولي لمشروع “عمره” هذا، الأمر الذي أفقده ثقة إدارة التلفزيون، والمخرج، ونجوم العمل، والمشاهدين الذين وعِدوا -عبر الصحافة- بالحلاوة دون أن يذوقوها، ثم انصرف الكاتب نفسه إلى معالجة بعض التمثيليات المفردة “الباردة”، لينتهي – بعد ذلك بسنوات – داعية إلى لون جديد من الكتابة سماه “النصيحة”، دون أي صدى يذكر..فلعله قد ركبته لعنة “بيضة الديك”!!
وفي جلسة “فنية” ضمت عدداً من الكتاب، والمخرجين الأكاديميين، والمثقفين- وكان ذلك بعد مرور شهر العسل على مسلسل “أيام شامية”- تبارى الكتاب في تبيان عيوب السيناريو، وهي كثيرة، وهم “محقون، وتبارى المخرجون في الكشف عن عيوب الإيقاع، وحركة الكاميرا، و”بدائية” العديد من أساسيات المهنة، ثم تبارى المثقفون في دراسة سيكولوجيا الجمهور المتلقي، بحثاً عن عيوب في “المشاهدة والمشاهدين”.. وكان لي رأي لخصته للحاضرين بكلمات:
–لقد أفلح صناع هذا العمل _ بقيادة المخرج بسام الملا- في إخفاء كل هذه العيوب..!! أفلا يعد هذا نجاحاً يستحق الإعجاب؟؟!