فهموا روحكم!
في عزّ الجفاف، وحيث لم تنفع صلاة الاستسقاء ولا هم يحزنون، قبل بضعة أشهر، سمع الجزائريون تطمينات تفيد بأن البلاد غير مهددة بالجفاف، وإن منسوب المياه بالسدود، يكفي لنحو سنتين، رغم أن المواطنين الذين كانوا يعبرون تلك السدود رأوا بأعينهم التي سيأكلها الدود، أن الطين سيطر على غالبية المساحة المخصصة للسدّ!
الآن، وبعد أن رحمنا ربّ العالمين، وتهاطلت الأمطار وتساقطت الثلوج على قلتها، وعبر أغلب ولايات الشمال تحديدا، عادت نفس الأصوات المطمئنة والمبشرة، ممثلة في وزارة الموارد المائية، لتقترب من الإعلان عن “حالة الجفاف”، وتبشر المواطنين، وبينهم سكان العاصمة بالعطش وتدعوهم ضمنيا إلى إعادة نسخ أغنية “جاء الماء نوض تعمّر”!
قد يكون الغيث المتهاطل غير كاف، وقد تكون السدود هذا العام والعام الماضي مختلفة في نسبة المنسوب وتجميع المياه، وقد تكون الزراعة متضررة من تأخر الأمطار، لكن هل يُعقل تبشير الجزائريين بانقطاع مياه الحنفيات والشروع في تبليغهم بالجفاف، في عزّ “الطوفان”؟
هذا مجرّد نموذج فقط، للتضارب في التصريح والتلميح، والتخويف و”الترجيف”، والحال أنه بإمكان الدوائر الوزارية أن تختار وقت الكلام، ووقت الترهيب والترغيب، حتى لا يتمّ الوقوع في التأويل والتهويل، والأخطاء المقصودة وغير المقصودة، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين!
أحد الوزراء، انتقد مؤخرا “فشل التسويق الحكومي”، لقضية كهذه، وقد يكون الوزير صائبا، لكن مثل هذه “القنبلة” قد تكلفه منصبه في الوزارة، خاصة أن التعديل الحكومي قاب قوسين أو أدنى!
عندما يتحوّل الوزير إلى “معارض” داخل الجهاز التنفيذي، فهذا قد يضرّه أكثر ممّا ينفعه، ما لم يعرف كيف يوجّه سهامه نحو الهدف من دون أن يُصيب أهدافا أخرى خارج “ميدان الرماية”، وفي مثل هذه السقطات والهزات، الكثير من التجارب والعيّنات التي انتهت بالعزل أو الدحرجة!
بعض الوزراء يعتمدون منذ مدّة خطابا تخويفيا، مستندين في ذلك -وقد يكون طرحهم واقعيا وصحيحا- إلى قصّة التقشّف والضائقة المالية المنجرّة عن أزمة البترول، لكنهم تبعا لهذه اللغة “العنيفة” دخلوا الفخّ وساروا بأرجلهم نحو المقصلة، حيث ينتظرهم في أسوإ الحالات الإعدام!
ليس هناك بين السواد والأبيض، منطقة رمادية، ولذلك، إمّا أن تسوّد أو تبيّض، أمّا أن تقول الشيء صباحا ثم يغرّد نقيضه ليلا، فهنا تحوم الشكوك، وإن بعض الظن إثم!