الرأي

في‭ ‬انتظار‭ ‬الرئيس‭ ‬بن‭ ‬بلة

الشروق أونلاين
  • 2574
  • 1

ما خص به الشعب الجزائري جنازة الرئيس الراحل أحمد بن بلة أول أمس من إكبار وإجلال وتعظيم وحسرة، وعلى الرغم مما شاب مراسيم التشييع من استعمال سياسوي من طرف النظام عبر وسائله الإعلامية الثقيلة..، كان بمثابة يقظة ضمير جماعية بما كان يمثله هذا الرجل بالنسبة للجزائر والأمة الجزائرية والدولة الجزائرية واستقلال الجزائر التام غير المنقوص، ويقظة ضمير كذلك وبما عاناه من أعداء هذه الأمة وهذه الجزائر الداخليين، خاصة من بقايا الاستعمار الفرنسي والإدارة الفرنسية طيلة سنين حياته، ولا ذنب له سوى أنه كان وطنيا مخلصا وخالصا.

فقد كان الراحل أحمد بن بلة أول وآخر رئيس جزائري منتخب انتخابا شرعيا وسويا عن طريق جمعية تأسيسية مشروعة في إطار مشروع وطني لإتمام استقلال الجزائر عن فرنسا، ورسم طريق للمستقبل واضح المعالم، وكان في حديثه عن هذا المشروع وعن غيره واضحا وصادقا مع نفسه ومع الجزائريين الذين لم يكن يخاطبهم إلا بما في مقدوره، ولم يكن يعدهم إلا بما تسمح صلاحياته بتحقيقه. وعندما كان يتحدث عن “تذويب الشحمة للبرجوازيين”، التي كانت ذريعة من ذرائع الانقلاب العسكري عليه، كان يعي ما يقول، وكان الشعب برمته يعرف المقصود، والمقصود هو أنه لم يكن هناك من برجوازية في الجزائر غير أولئك الذين اغتنوا وأثروا من الخيانة والعمالة للاستعمار الفرنسي، كان يجب، على الأقل، كبح جماحهم ووضعهم عند حدهم في سعيهم المحموم إلى الاستيلاء على مقاليد السلطة والحكم والالتفاف على تضحيات الجزائريين وآمالهم في بناء دولة عصرية تسودها العدالة ويحكمها القانون، فكان انقلاب 19 جوان الذي عصف ببن بلة وبآمال الجزائريين والأسس التي خاضوا من أجلها الثورة، وجاء إلى الحكم بشلة من ممثلي المصالح الثقافية والاقتصادية والسياسية الفرنسية حتى وإن كان على رأسها رجل وطني كان يقول عن الشعب الجزائري في مجالس اتخاذ القرار أنه “كنبات الديس، إن خففت عنه قبضتك سيجرحك..”، كما جاء في مذكرات قائد الأركان الأسبق الكولونيل الطاهر الزبيري. وهذه هي العقلية الدكتاتورية المتعالية ذات الخلفيات الاستعمارية التي تُحكم بها الجزائر منذ الإطاحة بالرئيس بن بلة في ذلك الانقلاب إلى اليوم، وكل من جاء إلى الرئاسة من رؤساء، في نظام رئاسي متسلط على طريقة أنظمة جمهوريات البنان، إنما جاء بطرق غير ديمقراطية ولا سوية تقنيا.. الراحل بومدين جاء على ظهر الدبابة واستمر بالانقلاب الذي سمي بالشرعية الثورية إلى مماته، والرئيس الشاذلي بن جديد كان المرشح الوحيد للحزب الواحد لخلافة الرئيس بومدين سنة 1979 ومع ذلك نحي بانقلاب جانفي 1992 الشهير الذي كرس تبعية الجزائر لفرنسا، وأتى بمجلس هجين للدولة، ثم بالرئيس محمد بوضياف الذي لاتزال عملية اغتياله غامضة وتشكل انقلابا مقنعا عليه إلى غاية إثبات العكس في محاكمة منفذ عملية الاغتيال محاكمة صريحة على الأقل، والرئيس الحالي كان وحده في السباق في انتخابات العهدة الأولى، ولا أحد بإمكانه التنبؤ بما ستكون عليه الانتخابات الرئاسية القادمة، وكل الانتخابات المحلية والوطنية التي جرت منذ سنة 1965 إلى اليوم إنما‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنظمها‭ ‬الإدارة‭ ‬الفرنسية‭ ‬للأهالي‭ ‬قبل‭ ‬الاستقلال‭..‬

والخلاصة أن الجزائر لاتزال، سياسيا وانتخابيا، محنطة في فترة رئاسة الرئيس الفقيد أحمد بن بلة والجمعية الـتأسيسية، وهي دائما في انتظار قيام وطن ودولة ونظام حكم لجميع الجزائريين وليس للنظام القائم الآن وبقايا فرنسا وحدهما؟..

مقالات ذات صلة