-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في المرايا

مروان ناصح
  • 2737
  • 0
في المرايا

تجربة البشر مع المرآة بدأت مخيفة جداً عند المواجهة الأولى؛ فما أصعب أن يطل عليك فجأة – من شيء ما – كائن آخر لا تعرفه، محدقاً فيك بعينين مرعوبتين من الدهشة..!! وكم رأينا ذلك في الأفلام التي جسدت لنا حياة الإنسان البدائي وهو يتلمس بحواسه الساذجة أشياء العالم!! وتحدثنا الأسطورة اليونانية – بعد ذلك – عن “نرسيس” ذلك الشاب الجميل الذي رأى وجهه منعكساً على صفحة البحيرة “المرآة”.. فجنَّ عشقاً بما رأى.. ورحل عن الدنيا دون أن يعرف أنه عشق نفسه، وأن اسمه صار مصطلحاً يدل على عشق الذات إذ اشتقت منه “النرجسية”!! ويحدثنا مثل شعبي من العصر الجاهلي عن “مرآة الغريبة”.. تلك المرآة التي تحملها المرأة التي تزوج إلى قبيلة أخرى، لتكون ملجأها الصادق الذي يخبرها بحقيقة زينتها وجمالها عندما تحاصرها عيون النساء الغريبات، ويمتشقن ألسنتهن للانتقاد أو المديح المنافق..!! ومن أقدم الحكايا الساخرة عن الهنود أن رجلاً ريفياً عجوزاً اشترى مرآة، بعد أن رأى وجهه فيها – لأول مرة – وظنَّ الذي أطل عليه منها بلحيته البيضاء كاهناً عظيماً.. وحين لاحظت زوجته أنه يواظب على تقبيل تلك المرآة صباح مساء، قالت في نفسها: أقطع ذراعي إذا لم تكن إحدى نساء المدينة قد أغرت زوجي، وأعطته صورتها تذكاراً..!! وها هو ذا لا يكف عن تقبيلها..!! ثمّ إنها غافلته.. وما إن نظرت في تلك المرآة حتى استعاذت من الشيطان قائلة: يا لزوجي من رجل أحمق..!! أيهيم حباً بهذه العجوز الدميمة الفانية؟! وينصرف عني وأنا الشابة الجميلة؟!!

تحيلني هذه المرآة الهندية بسخريتها الماكرة إلى فنّ السخرية في الدراما السورية كما تبلورت في اطول مسلسل سوري ساخر (17 جزءاً خلال 30 عاماً) نال شهرة واسعة، ومكانة رفيعة –  محلياً وعربياً – هو مسلسل (مرايا) للفنان الكبير ياسر العظمة، من حيث أن السخرية موقف حيوي يطل على الأشياء من زوايا مختلفة، ويحمل وجهة نظر مغايرة لوجهات النظر الأخرى السائدة والراكدة، إلى مختلف مجالات الحياة، في سورية، والبلاد العربية بوجه عام.

كان الفنان ياسر العظمة ممثلاً ناجحاً في المسرح والإذاعة والتلفزيون.. قبل أن يكرس جهوده مع مطالع الثمانينيات لمشروع عمره “مرايا” الذي أراد له أن يكون مختلفاً – في الأشكال والمضامين – عما سواه من أشكال الدراما المشتتة والمتباعدة؛ لا سيما الكوميديا بأساليبها التقليدية المعروفة.. ولم تكن البداية سهلة..!! فمن خبر عقد الثمانينيات في سورية يدرك كم كانت العقبات في الطريق متراكمة..!! وكم كانت المحاذير والممنوعات في تزايد مستمر، لا سيما الرقابية منها التي كانت حساسيتها تتمركز حول “الكلمة” الواحدة أحياناً.. فكيف بالموقف والرأي الناقد الواضح!! ويحضرني مثال حي على ذلك؛ فقد وجد الكاتب الشعبي المعروف

 “وليد مارديني” – وكان رحمه الله مراقباً لنصوص الدراما الإذاعية – وجد نفسه في حيرة خطرة أمام مشاجرة “درامية” تدور في سوق شعبية، وترتفع فيها أصوات الناس الذين يتدخلون للفصل بين المتنازعين، مكررين جملة:

ما هكذا تحل الأمور يا “إخوان”..!!

ولم يجد مخرجاً من حيرته تلك سوى أن يشطب كلمة “إخوان”، ويكتب بدلاً منها كلمة “رجال”، حتى لا يفهم الجمهور أن المقصود بها هم “الإخوان المسلمون” الذين كانوا يخوضون آخر معاركهم الخاسرة مع النظام الحاكم..!! ومن يومها؛ كتب وليد مارديني حكمته الجديدة: “من راقب النصًّ مات هماً”..!! كتبها بخط كبير، ووضعها تحت زجاج مكتبه!! أما على الصعيد الثقافي العام – في تلك المرحلة – فقد كانت الغلبة للثقافة “المتجهمة”، يدعمها اتجاهان متناقضان كلّ التناقض؛ أولهما اتجاه تقليدي متحفظ لا يرى في الفكاهة والسخرية سوى انحدار بالذائقة العامة نحو الإسفاف، و”الركاكة” الفكرية. وثانيهما الاتجاه اليساري – بمختلف فصائله – وكان يلخص دور الأدب والفنّ في الدعوة “الجادة” إلى النضال من أجل التغيير “الاشتراكي” الحثيث، وكان اتباعه ينظرون إلى أي عمل كوميدي – ولو كان ناقداً لبعض الأوضاع السائدة – على أنه مجرد تنفيس لغضب الناس!! تنفيس يتم باتفاقات “سرية” مع الأجهزة الحاكمة..!! أو عمل تجاري “رخيص” بلا معنى!! وكان هؤلاء من المصابين بلوثة “الواقعية الاشتراكية” الوافدة العرجاء التي لم يلبث أن ثار عليها روجيه جارودي – وكان يومها مسؤولاً كبيراً في الحزب الشيوعي الفرنسي – وسخر منها في كتابه الشهير (واقعية بلا ضفاف).

وكان رهان الفنان ياسر العظمة – في الشكل – ثورة على القوالب الجاهزة للمسلسل الدرامي، والسلسلة الدرامية؛ فلا فائدة من قصة تُمط، وتتراخى، لتلبي العدد المطلوب من الحلقات..!! ولا ضير في أن يتسع صدر الحلقة الواحدة لأكثر من حكاية مكثفة، ضمن الزمن الضروري لإبرازها في أجمل صورة ممكنة. أمّا في رهانه على المضامين، فقد آثر التنوع في الموضوعات، والتجوال في الأزمنة والبيئات المختلفة، بحثاً عن المعادل الموضوعي، أو البعد الرمزي، أو الحدث المماثل، أو المطابق، لما يجري على أرض الواقع من مهازل ومفارقات يصعب السكوت عنها، مقدماً كل ذلك وفق رؤية كاريكاتيرية ساخرة، ترفض السلبية، والانغلاق على الذات.. المطلبين اللذين رفضهما الشاعر صلاح عبد الصبور، لكن على طريقته كعاشق للكوميديا السوداء:

قلتم لي لا تدسسْ أنفك فيما يعني جاركْ

وأقول لكم: اعطوني أنفي

وجهي في مرآتي مجدوع الأنف..!!” 

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!