في بيتنا مجرم!
“الشعب يُريد القصاص”.. “كلنا نهال”.. “أعدموا قتلة الأطفال”.. عبارتان تهزان القلوب وتزلزلان العقول، وتوقظان الضمائر الحية والميتة معا، وبعد ذلك، لا أحد مهما كانت ملته ودينه وجنسه وأصله وفصله، أن يلوم عائلة أو وليّ، بدأ الخوف يسكنهم والفزع يمزقهم، في ظلّ انتشار وتفريخ جرائم اختطاف القصّر واغتصابهم وقتلهم والتنكيل بجثثهم وترويع أهاليهم!
الهبّة الشعبية التي “تنفجر” في كلّ عملية مماثلة من عمليات انتهاك البراءة واستباحة دماء “الملائكة”، من طرف “شياطين” يروّعون المجتمع، هي رسالة للمحرم قبل المجرم، وهي رسالة إلى المسؤولين والمواطنين، إلى الأئمة ووسائل الإعلام، إلى المنظمات الحقوقية، وإلى رجال القانون، حتى يتوقف هذا النزيف القاتل إلى الأبد!
الجميع مستهدف بهذا “الإرهاب الجديد”، الذي يختار “الأهداف السهلة”، حتى وإن كان أغلب المتورطين أقارب أو جيران أو حتى شواذ، فإن تنامي الظاهرة يتطلب استفاقة جماعية للبحث عن أسباب وتداعيات هذه الجرائم التي تفتكّ باستقرار وسكينة مجتمع تغلب بفضل الله وصبره الجميل، وبفضل تضحيات الرجال والنساء، على إرهاب أعمى، لأكثر من عشرية زمن.
بعض التحليلات النفسية والواقعية، تعود بأثر رجعي إلى مرحلة “المأساة الوطنية”، حيث أفرزت “مشاريع مجرمين”، كانوا آنذاك أطفالا صغار “ضرب عليهم البارود”، فأصبحت الجريمة بالنسبة إلى بعضهم فعلا غير مذموم، يُمارسونه بالتقليد وبلا شعور، وأحيانا بتلذذ والعياذ بالله، ومرّات يتورّطون عن طريق الممارسة والتكرار!
لم تعد فصائل كثيرة ونماذج متعدّدة من “الجيل الجديد” تستمع لا إلى رب العائلة ولا إلى الإمام، لا إلى المعلم، ولا إلى كبير الحيّ، لا تخشى العقاب، متمرّدة على القانون وكافرة بالوعي والشعور بالمسؤولية، ولذلك تتورّط من حيث تدري أو لا تدري، وربما أخطر ما في الحكاية، أنها تقترف جريمتها عن وعي أو عن لا وعي، وكل حالة أخطر من الأخرى!
عندما يصبح هاجس “في بيتنا مجرم”، أو “مشروع مجرم”، سواء كان برتبة قاتل أو سارق أو معتد على الغير، أو مدمن مخدرات، يُربك كل البيوت ويُخلخل العائلات الجزائرية، فهنا يصبح المجتمع برمّته في مأزق حقيقي، يستحيل لجهود فردية ومعزولة أن تضع حدا للتراجيديا، وتـُقنع الضالين بالتوبة، وتستأصل مسببات المشكلة من جذورها!
تساءل أحد الحكماء بمكر: “هل تنفع مثلا المصالحة مع قتلة الأطفال؟”.. فردّ صوت خافت: لن تنفع إلاّ إذا تصالح هؤلاء مع أنفسهم، وهذا امتحان آخر أصعب من الرهان الأوّل!