الرأي

في جيجل والطاهير

صدق من سمّى مدينة جيجل “جوهرة الشرق الجزائري”، ولو قال “جوهرة الساحل الجزائري” لما كان من الخاطئين، فرغم أنني ابنُ هذه الولاية وأمّ قراها، وأكبر مدنها، وجُستُ خلال هذه الولاية سهلها وحزنها، فإنني لم أشعر بما شعرتُ به في هذه المرة من سحر جمالها، رغم ما تعانيه من شدّة الزحام في هذا الموسم، إذ يعود إليها كثيرٌ من أبنائها، ويحجّ إليها كثيرٌ من الزائرين.

سببُ زيارتي هو تلبية دعوةٍ كريمة من المجلس الشعبي البلدي لمدينة الطاهير لمشاركة سكّانها في فعاليات الاحتفال بمولد خير من قذفته رحمٌ وسعت به قدم، صلى الله عليه وسلّم.

لم يتمكّن الإخوةُ من إيجاد مكانٍ في طائرة جيجل، وهذا أحدُ الأدلّة على النشاط الذي تعرفه الولاية، فحجزوا لي في طائرة بجاية الواقعة غرب مدينة جيجل، وما جيجل وبجاية إلا أختان، وقديما قيل: “جيجل وبجاية عليهم حكاية”.

وصلتُ مطار بجاية، وجلستُ في مقهاه انتظارا لوصول الإخوة من جيجل، وطلبتُ ما أشتهيه من مشروبات ومأكولات، ولمّا ذهبتُ لأدفع الثمن أقسم صاحبُ المقهى أن لا يأخذ أجر ما استهلكتُ، وألحّ عليّ أن أزيد، فشكرتُه ودعوتُ له.

خُيِّل إليّ أنّ الجزائريين جميعا قد اجتمعوا في هذه المسافة بين المدينتين، فحمدتُ اللهَ على نعمة الأمن وسألتُه أن يديمها علينا. ولما وصلتُ إلى مدينة جيجل كدتُ لا أعرفها لما وقع فيها من تطوُّر عمراني، ولم أهتدِ إلا ببعض البنايات القديمة، فحمدا لله، وشكرا له على نعمه الظاهرة والباطنة.

استهللتُ نشاطي في مدينة جيجل بندوةٍ ثقافية في مكتبة “أوراق ثقافية للنشر والتوزيع”، وكان الحضورُ متميزًا من أهل الفكر والذِّكر، من النساء والرجال، وتناولنا قضايا ثقافية وفكرية.

في صباح يوم الثلاثاء توجَّهنا تلقاء مدينة الطاهير، وما هي ببعيدة عن جيجل، وقد زرتُ هذه البلدة الصغيرة في أوائل الستينيات من القرن الماضي، فإذا هي الآن بلدةٌ كبيرة، وعاصمة لدائرة تضمُّ عدّة بلديات.

وقد تشرّفتُ عندما وجدتُ في استقبالي السادةَ مسئولي الدائرة والبلديات التابعة لها، وألقوا كلماتٍ ترحيبية أنا دونها، فداريتُ عبراتٍ جرّاء ما سمعتُ من إشادةٍ صادقة، لأنني لستُ من ذوي السلطان حتى يَرهبني الراهبون، ولستُ من ذوي المال حتى يتزلّف إليّ المتزلّفون، فشكرا لجميع الإخوة على حفاوتهم وحسن ظنّهم بأخيهم، وحمدا وشكرا أن ستر عليّ معايبي التي أدعوه أن يسترها عليّ يوم الفضائح.

ثمّ اتّجهنا إلى قاعة المحاضرات فكانت ملأى بالحضور، وهناك من لم يجد مقعدا فظلّ واقفا طيلة كلامي عن سيّد الكونين من عرب ومن عجم.

وفي أثناء العودة إلى مدينة جيجل، توقّفنا في مدخلها الشرقي عند تحفة معمارية، وهي مسجد “أبي هريرة” -رضي اللهُ عنه- الذي يقوم على إنشائه أبناءٌ بررة صدقةً على والدهم، وسيُدشَّن قريبا، إن شاء الله، لأعود مساءً إلى مسجد “سيدي يحيى” في مدينة الطاهير لتشرّفي بإلقاء كلمة في الحاضرين عن نبيّ الإسلام، عليه الصلاة والسلام، وما جاء به من مبادئ سامية، وقيم خالدة، لا تسعد الإنسانية إلا باستلهامها وتطبيقها. شكرا جزيلا للإخوة في جيجل وفي الطاهير.

مقالات ذات صلة