-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قارئة الفنجان..!!

مروان ناصح
  • 3776
  • 0
قارئة الفنجان..!!

حين غنى عبد الحليم حافظ قصيدة “قارئة الفنجان” كان الرأي الثقافي العام السائد ـ يومها ـ على النقيض مما جاء به نزار قباني من عواطف قدرية، وأشواق “لاإرادية”، في سياق رحلة بحث تشبه متاهة “عوليس” في الأوديسة: “لابد أن يسأل العاشق فيها موج البحر، وشطآن المدائن، عن جدائل المحبوبة وشعرها الغجري الذي يسافر في كل الدنيا…” أم أنّ عليه قبل ذلك أن يسترضي تلك العرافة لعلها تبدل ما هو مكتوب في الفنجان إلى شروط أقل عذاباً ومشقة..!! أليست هي القارئة العارفة.؟ وقد تكون هي الكاتبة أيضاً..!!

وثارت ثائرة عدد كبير من الصحفيين، وكتاب الأعمدة في الصحف: هل هي عودة إلى الوراء..؟! إلى تسويق الخرافة والوهم والتعلق بحبال الهواء..؟!! هل هي انتكاسة للعقل يروّج لها حفنة من المتاجرين بأحلام اليقظة..؟! وعلى رأسهم شعراء العواطف “الهائجة” الذين يتزعمهم نزار، والهدف: إعلان السخط على العقل، وشروط المنطق الصوري الذي سبق أن قادنا إلى هزيمة حزيران “جوان” 1967، وهزنا جميعاً، لنبدو على حقيقتنا: ضعفاء يكابرون هرباً من النظر في المرآة، ومواجهة الحقيقة العارية..!! ومتخلفين يستبدلون الكلام بالعمل، والأحلام بالحقيقة والواقع..!!

وقبل أن تنتشر أغنية قارئة الفنجان على شفاه الناس بلحنها الجميل، وأداء عبد الحليم “العاطفي” الأصيل، وكلماتها البسيطة المقطوفة من بستان الكآبة، كان المثقفون يهاجمون أي فيلم سينمائي تظهر فيه ضاربة “ودع” غجرية، أو فارشة رمل أو ورق لعب، أو قارئة فنجان أو كف، وحذفت الصحافة زوايا الحظ والأبراج من صفحاتها انسجاماً مع متطلبات الثقافة الجادة..!! ورد بعض السينمائيين، وبعض المجلات الفنية العابثة التي تصدر في لبنان: “لماذا تريدوننا أن نتحول إلى مجرد آلات تعمل بالأزرار.؟ إن للإنسان ـ من يوم يومه ـ مخاوفه من المجهول، ورغباته في الاطلاع على ما تحمله الأيام التالية.. وحتى وصوله إلى القمر لم يستطع أن يخلصه من هذه المخاوف، وتلك الرغبات التي لولاها لأصبحت حياته خاوية، ليس فيها أي رائحة للفعل الدرامي في التاريخ كله..!!”.

وأذكر أنني حين كتبت مسلسل “مقعد  في الحديقة”، ووضعت فيه مشهداًـ للبطل وهو في مقهى على البحر، وتمر به غجرية “بصارّة”، فيناديها لتقرأ له كفه، فتخبره بأن المستقبل يحمل له مفاجآت سارة جداً..!! لكن مصائب المستقبل لن تلبث حتى تهجم عليه من كل جانب، فيطرد من عمله، وتحاربه السلطة في لقمة عيشه.. وتطارده المخابرات في كل مكان.. وتقتل ابنه وهو يوزع المنشورات السياسية في ظلام الليالي..!! ونكاية به.. ينكلون بمحبوبته الشابة.. فيضعونها في مستشفى المجانين..!! وكل هذا لأنه رفض أن يقول “نعم”.. لسلطة الانقلاب الجديد.. كما أنه لم يكن يريد أن يقول: لا.. فالسياسة بصورتها “العربية” لم تكن تعنيه.. لا من قريب ولا من بعيد..!! لقد كان طبيباً ناجحاً فحسب.. ويريد أن يعيش دون أي تدخل من الآخرين في حياته الشخصية.. ولم يكن على استعداد حتى للضحك.. عند سماعه أي نكتة سياسية.. من قبيل النكتة الشائعة في دنيا العرب: إذ يفاخر مواطن عربي عدداً من الأجانب الذين يتعالون عليه باختراعاتهم المذهلة..!! فيقول لهم إن لدينا أيضاً اختراعاً عجيباً.. هو عبارة عن صندوق سحري.. تضع فيه ورقة مكتوباً عليها كلمة “لا”.. فتنزل من الجهة الأخرى وقد كتب عليها كلمة “نعم”.. ها.. هاها..!!

ومن خلال هذا المشهد الدرامي، هاجمني كثير من الزملاء.. والعديد من النقاد، مسجلين عليّ موقفاً مغايراً للتفكير العلمي، وخارجاً عن أهداف “الثورة” التي تستدعي نفي كلمات “الحظ” و”النصيب” والتنجيم.. والتبصير.. إلخ من قاموس الحياة الفكرية، واليومية للناس..!! ـ

ومر زمن طويل كان كثير من الزملاء الصحفيين والمثقفين ـ خلاله ـ يقرؤون الأبراج، ويرددون أغنية نزار وحليم في خلواتهم، ويلعنون الأبراج والفناجين في العلن..!! ثم خطر لأحد المشرفين على برنامج “غداً نلتقي” -الذي يذاع في آخر الإرسال اليومي للتلفزيون السوري- أن يسألني:ـ

 – هل عندك “وصفة” نشد بها المشاهدين إلى هذا البرنامج ..؟ فقد ارتخت مفاصله في الآونة الأخيرة.؟!!

– نعم.. لماذا لا نقرأ عليهم أبراجهم.؟؟ 

– الأبراج.؟!! وفي التلفزيون السوري..؟!! لست جاداً بالتأكيد..!!

– لماذا..؟؟

– أحسب أن هذا الموضوع هو في عداد الممنوعات الرقابية التقليدية المسلم بها..!!

– طيب..!! دعنا نكتبها بطريقة ساخرة مرحة، حتى إذا اعترض عليها أحد ما قلنا له: إنها مجرد مزحة عابرة..!!

وكتبت عدداً من الأبراج الضاحكة من قبيل “لن تثمر أشجارك العاطفية هذا العام إلا بعد ثلاث إشارات ليس من بينها إشارة مرور..!!”.. و”فكر قليلاً قبل الزواج.. لأن هذا سيكون آخر قرار تتخذه بمفردك في حياتك بعد ذلك..!!”.ـ

ولكن المذيعات رحن يقرأنها في كل ليلة بلهجة جادة..!! وصار عدد من المشاهدين يواصلون السهر، حتى يعرفوا ما تقوله لهم الأبراج عند منتصف الليل..!! وهكذا ظهرت “الأبراج” لأول مرة في الإعلام الرسمي السوري، ولم يعترض أحد..!! أما أنا فقد كان جزائي شبيهاً بذلك الفقير الذي مد كفه أمام عيني إحدى العرافات، فتأملتها طويلاً، ثم قالت له مشفقة: “مكتوب في يدك أنك ستظل مع الفقر أربعين عاماً..!!”، فسألها بلهفة دستويفسكي حين عفا عنه القيصر، وأنزلوه عن كرسي المشنقة:

– وبعد ذلك يا سيدتي..؟؟

– بعد ذلك سوف تعتاد الفقر.. ثم تشكرني إن بقيت بين الأحياء..!!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!