الرأي

قبل إنهاء مهام جيل “طاب جنانو” الرئيس ينقذ برلمان “لقد هرمنا”

حبيب راشدين
  • 8040
  • 22

إنقاذ الرئيس لآخر تشريعيات في عهدته الأخيرة التي أحال فيها جيل الثورة على التقاعد، لا يكفي لوضع البلد في مأمن من التهديدات التي حذر منها أو يفي بمتطلبات التغيير، الذي يفترض أن يهيئ جيل الاستقلال لاستلام القيادة، وقبل هذا وذاك يحتاج إلى اقتناع النخبة السياسية بحاجة البلد إلى الدخول في أم المعارك مع الفساد والإقصاء.

 

أسدل الستار على استحقاق التشريعيات، وتنفس بعضهم الصعداء لأن الاستحقاق استوفى شروط النجاح النسبي، بمشاركة شعبية اقتربت من تحقيق نسبة 45 في المائة، وانحسار رقعة العزوف في بعض المدن الشمالية المعروفة أصلا بضعف مشاركتها، وإقبال سكان الجنوب والأرياف والعنصر النسوي على   المشاركة   في   ما   يشبه   الاستجابة لنداء الرئيس أكثر منه تماهيا مع البرامج ورضا عن المرشحين.

النجاح الأكبر كان في التنظيم الجيد والآمن للعملية الانتخابية، التي لم تشهد سوى حوادث بسيطة متفرقة، لم يتوقف عندها، لا المشاركون من الأحزاب والمستقلين، ولا فرق المراقبين الدوليين الذين أشادوا بالعملية، وشهدوا لها بالشفافية والنزاهة.

.

عبد العزيز ينقذ برلمان بوتفليقة

بالتوقف عند هذين المعيارين: معيار المشاركة، قرابة نصف الناخبين المسجلين، ونظافة الاستحقاق من التلاعب التقليدي، فإن الاستحقاق يكون قد أرضى رئيس الجمهورية، الذي وضع ثقله ومصداقيته في الميزان، وراهن بالكثير في استحقاق لم يكن على رأس أولوياته قبل اندلاع أحداث الربيع العربي، كما يكون قد أرضى الأحزاب المشاركة حتى قبل التعرف على تفاصيل الاقتراع وتوزيع كعكة البرلمان.

أبطال الاستحقاق، بعد رئيس الجمهورية، هم بلا ريب سكان جنوبنا الكبير، الذين كانوا في الموعد، وأظهروا حسا وطنيا بدأنا للأسف نفتقده في حواضر الشمال، يليهم سكان الأرياف أو ما يسمى بالجزائر العميقة، التي لم تساوم في مشاركتها، رغم تجاهل الحكومات المتعاقبة لمشاكلها المزمنة، وضعف سهمها من قسمة الريع، غير أن البطل الحقيقي الذي أنقذ الاستحقاق، هو بلا منازع العنصر النسوي في الأرياف وفي الحواضر.

ويبقى الضعف النسبي لمشاركة الشباب يشكل مصدر قلق للسلطة وللطبقة السياسية، وسيظل يشكل عامل ضغط لا ينبغي تجاهله مستقبلا، كما يبقى ضعف المشاركة في منطقة القبائل مصدرا آخر للقلق، يحتاج إلى معالجة سياسية خاصة، تسمح بعودة هذه المنطقة للمشاركة الفعالة في الاستحقاقات الوطنية القادمة.

.

استحقاق بلا مثالب المغول فيه غالب

النتائج التفصيلية لتوزيع المقاعد بالبرلمان القادم، والتي تأخر إعلانها حتى عصر أمس الجمعة، لم تأت بمفاجآت كبيرة حسب بعض التسريبات التي تداولتها أوساط حزبية، مع امتناع حصول التسونامي الإسلامي كما كان متوقعا، وإعادة ضبط أحجام أحزاب السلطة، وعودة ملحوظة لجبهة القوى الاشتراكية، على أن النتائج لم تكن في كل الأحوال محل رهان كبير، على الأقل في نظر السلطة التي كانت حريصة على إنجاح الاستحقاق من جهة نسبة المشاركة، وخلوه من المخالفات التي قد تطعن في مصداقيته، ومع ذلك فإنها غير مستاءة من توّزع الأصوات بشكل قد يسهل عليها توظيف التشكيلة الجديدة، في ما يراد لهذا البرلمان من التكفل بمراجعة الدستور، كما قد يسمح بأكثر من سيناريو لبناء تحالف برلماني وحكومي جديد.

.

أسئلة مؤجلة تبحث عن جواب عاجل

انتهاء الاستحقاق بهذه النتائج التي أراحت الجميع، لا ينبغي أن يعفي السلطة والطبقة السياسية من الوقوف عند بعض المحطات التي كانت مصدر قلق، والإجابة على جملة من الأسئلة، يأتي على رأسها السؤال الأكثر إلحاحا: هل سيساعد النجاح النسبي لهذا الاستحقاق في إبطال مفعول التهديدات التي حذر منها رئيس الجمهورية، ويضع البلد في مأمن من أخطار التدخل الأجنبي؟ يليه سؤال توأم: هل سيساعد الاستحقاق على تحقيق التغيير الذي تحتاجه الجزائر من أجل إعادة هيكلة الدولة، وإعادة النظر في خيارات التنمية وتوزيع الثروة، وتهيئة المشهد لنقل مشعل القيادة لجيل الاستقلال؟

لا شك عندي أن الخطاب الثالث لرئيس الجمهورية قد أضاف ظلالا كثيفة إلى المشهد السياسي المتحلل، بإدخال بعد دراماتيكي جديد، تجاوز حدود الدعوة لإنجاح الاستحقاق، ليقف بنا على مشارف أزمة قيادة وأزمة حكم قادمة لا محالة.

فالبلاد مقبلة على ما يبدوا على نقلة تاريخية، يفترض أن تنتهي بإحالة جيل كامل إلى التقاعد، واستلام جيل جديد للسلطة والقيادة، إذا ما صدقنا صحة حكم الرئيس بنهاية ولاية جيل الثورة، بفعل التآكل وعوامل الشيخوخة المتقدمة.

.

بداية النهاية لعهدة جيل الثورة

في أقل من جملتين أنهى الرئيس بوتفليقة ولاية الجيل الذي ينتمي إليه، وقطع الطريق أمام من كان يشتغل على تدبير ولاية رابعة، وأنهى أطماع من كان يعوّل عليه من داخل السلطة ليباركه للخلافة، وأطلق تحريضا غير مسبوق في اتجاه جيل الاستقلال لانتزاع مقود القيادة، مع توصية خاصة بالرفق بجيل الثورة ومن بقي منهم على قيد الحياة.

إضافة عنصر دراماتيكي مثل الإعلان المفاجئ عن نهاية ولاية جيل الثورة، عبّر عنه الكثير من القراء بعبارة “خطبة الوداع” جاء خارج سياق المناسبة، وخارج نص الخطاب المكتوب، وهو الذي يكون قد أثار قلق المواطنين، وحفزهم على المشاركة أكثر من أي تهديد حقيقي أو افتراضي له صلة بمؤامرات تأتي من الخارج، لأن المواطن العادي البسيط يدرك بالحدس، أن النظام اجتهد طوال العقود الخمسة الماضية على إفشال فرص التواصل بين الجيلين، والإعداد الجيد لنقل السلطة والقيادة بأسلوب متدرج وآمن، سواء في زمن الحزب الواحد، أو بعد اعتماد تعددية قاصرة، أعادت إنتاج نفس النظام، وتحت إمرة نفس الشخوص الوافدة من مؤسسات الحزب الواحد.

.

الحقيقة والمجاز في خطبة الوداع

ربما يكون الخطاب في نهاية المطاف قد أفلح في تحريك مشاعر المواطنين، وحث الكثيرين منهم على المشاركة، وربما يكون قد أنقذ الاستحقاق من الفشل المبرمج، لكنه لن يضيف إلى البرلمان القادم ما يحتج إليه من مصداقية، يفترض أن تجنب البلد التعرض للتهديدات الواردة في الخطاب، كما لا يعني نجاح الاستحقاق أنه قد وضع أساسا يعتد به لتحقيق نقل السلطة والقيادة لجيل الشباب.

منذ البداية اشتمل تحذير الرئيس على مقاربة فيها كثير من المغالطة ليس في صناعة الخوف، مما يتربص بالبلد، لأن التهديدات حقيقية قائمة لأسباب لا علاقة لها بطبيعة الاستحقاق الانتخابي، لكن المغالطة حاضرة في الترويج لوهم خادع، يوحي بقدرة البلد على مواجهة التهديدات لمجرد تحقيق نسبة مشاركة تقارب الخمسين في المائة، تكون وحدها كافية لإضفاء شيء من المصداقية على البرلمان القادم.

.

فشل الرهان على الحلول من البرلمان

قبل ستة أيام كانت فرنسا واليونان على موعد مع استحقاق انتخابي رئاسي في الأولى، وبرلماني في الثانية، حظيا بمشاركة شعبية فاقت نسبة الثمانين في المائة، في بلدين معرضين لأزمات مركبة، لا تقل خطورة من الأزمات التي تعرفها الجزائر، وقد خرجت فرنسا من الاستحقاق وهي منقسمة على نفسها، غير واثقة في فرص نجاح اليسار، حيث فشل اليمين في تجاوز الأزمة، مع بروز لافت للقوى المتطرفة على يمين اليمين ويسار اليسار، كما خرج اليونانيون من الاستحقاق التشريعي بخارطة سياسية تمنع تشكيل حكومة قادرة على إخراج اليونان من الإفلاس المبرمج.

ومع أن الأزمة التي تعيشها أوروبا هي حتى الآن أزمة اقتصادية مالية، وليست أزمة نظم حكم، فإن سلسلة الاستحقاقات التي أطاحت بأحزاب حاكمة في اسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا، لم تنجح حتى الآن في تجاوز الأزمة، بل أضافت إليها مزيدا من التعقيد، وكشفت عن فشل النخبة السياسية في تقديم بدائل لحل أزمات أوروبا المركبة.

دول الربيع العربي تعيش بدورها حالة مماثلة من التخبط، حتى بعد النجاح الذي تحقق في تونس واليمن ومصر عبر انتخاب بعض مؤسسات الحكم. فاليمن غارق اليوم في فوضى الحكم والصراع المستديم على السلطة بين المكونات القبلية للنظام، كما تراوح تونس داخل حلقة مفرغة، فيما تغرق مصر في مسلسل هزلي من الصراعات على السلطة، أنست المصريين أفراح اليوم الذي سقط فيه رأس مبارك والحزب الحاكم.

.

وقت مستقطع من الوقت بدل الضائع

وإذا كانت الاستحقاقات الانتخابية الناجحة، في دول مستقرة مثل الدول الأوروبية، ليس لها أثر يذكر في حل الأزمات، ودفع شبح انهيار الاتحاد الأوروبي، وإذا كانت الاستحقاقات التي شهدت إقبالا شعبيا غير مسبوق في تونس ومصر واليمن، قد أضافت مزيدا من التعقيدات والأعباء إلى التعقيدات والأعباء المتوقعة في المراحل الانتقالية، فإن استحقاق يوم الخميس لن يكون كافيا لتحقيق حماية البلد من التهديدات التي حذر منها الرئيس، وهي بالضرورة غير كافية لتحقيق التغيير أو التجاوب مع النقلة الكبرى التي بشر بها جيل الاستقلال، بل لم تكن لتفي بالغرض حتى لو كانت نسبة المشاركة فوق الثمانين في المائة، وكانت الأحزاب المشاركة قد أرضت الناخب بتشكيلة محترمة من المرشحين، وببرامج حكم ذات مصداقية.

مما لا شك فيه أن نجاح السلطة في منع انهيار الاستحقاق قد منح البلد فرصة للتنفس والتفكير، بعيدا عن الضغوط والتهديدات الخارجية، في فتح ملفات التغيير وورشات الإصلاح، وأن تقتنع أخيرا أن مصادر التهديد من الداخل هي أكبر وأخطر من أي تهديد قد يأتي من الخارج، لأن البلد كان وسيبقى بعد الاستحقاق غير مستقر، معرضا للشغب الاجتماعي المتواصل الذي سجل في عام واحد أكثر من 11000 “حالة شغب” وسلسة متواصلة من الاحتجاجات الفئوية، وما تزال البرامج الحكومية عاجزة أمام ظاهرة البطالة المزمنة، خاصة في أوساط الشباب من حاملي الشهادات الجامعية، وما يزال السخط الشعبي يزداد على اتساع رقعة الفساد الإداري والمالي، واتساع جغرافية الفقر، وتدهور المستوى المعيشي، وسط حلقة مفرغة يأكل فيها التضخم المنفلت عوائد الزيادات الفوضوية في الأجور.

.

أم المعارك مع الفساد والإقصاء

حتى مع تصديق ما جاء في خطب الرئيس الأخيرة من تحذير بما يتهدد البلد، فإن الأجوبة تبقى قاصرة، لأن تجربة الربيع العربي قد كشفت بوضوح أن الركوب الغربي للحراك الشعبي قد استثمر عاملين أساسيين: الفساد المستشري في جسم السلطة ومؤسسات الدولة، وحالات الإقصاء الفاضحة لشرائح واسعة من المجتمع عند توزيع الثروة، مع انسداد الآفاق في وجه الشباب المتعلم.

وما لم تبادر السلطة إلى تبني إصلاحات حقيقية، تضيق الخناق على الفساد والمفسدين، وتعيد التأسيس لدولة تأتمر بالقانون، وتجند ما عندها من مقدرات لتحسين المستوى المعيشي لمواطنيها، عبر توزيع أكثر عدالة للثروة، والتفكير في سياسات جديدة للشغل لا تخضع للمقاييس الليبرالية الفاشلة اليوم في عقر دارها، فإن البلد سيبقى عرضة لهزات اجتماعية تمنعه من الاستقرار الذي هو شرط حاسم لنجاح التغيير والإصلاح.

فرصة الوفاء بوعد الرئيس قد تتاح في الاستحقاق المحلي القادم، شريطة أن يبادر البرلمان المنتخب حديثا إلى تشريع جديد يفتح ساحة المشاركة في إدارة الواقع المحلي للشباب بأحد الخيارين: إما بتحريم الترشيح على الشيوخ والكهول، أو بفرض نسبة لا تقل عن نصف المرشحين يستفيد منها الشباب من الجنسين، وأن نجعل من المجالس المحلية مدرسة لتكوين جيل من الساسة الشباب، يكون مؤهلا فعلا لاستلام زمام القيادة من جيل الثورة، ويعاد النظر في قانون الأحزاب ليلزمها بدفتر أعباء يلزمها بالانفتاح على الشباب وعلى ممارسة التداول الديمقراطي على القيادات الحزبية.

 

مقالات ذات صلة