-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قطوف دانية من سور قرآنية (*)

قطوف دانية من سور قرآنية (*)

شاء الله العلي الحكيم أن يكون القرآن الكريم آخر كتبه إلى الناس، ولذلك تعهد بحفظه، ولم يستحفظ عليه غيره كما فعل مع الكتب السابقة، التي حمّل أتباعها أمانة صونها فلم يحملوها، واستحفظوا عليها فلم يحفظوها، بل تقوّلوا على الله – سبحانه – وحرّفوا كلمة عن مواضعها، ونسوا حظا مما أوتوا، وانسلخوا من آيات الله التي آتاهم.

لقد وصف الله – عز وجل – كتابه بكل جميل من الصفات، ونعته بكل جليل من النعوت، ومنها أنه “يهدي التي هي أقوم”، فليس هناك كتاب – لا قبله ولا بعده – يهدي إلى أصلح نظام، وأسلم منهاج، وأسعد حال كما يفعل هذا الكتاب، فمن اعتصم بحبله، واستمسك بعروته الوثقى وهدى، ورشد وأرشد، ومن استغنى عنه واستبدل به الذي هو أدنى ضلّ وأضلّ، وزاغ وأزاغ، وشقي وأشقى.

لقد استحوذ الشيطان على أكثر الناس، فأزاغ أعينهم، وطمس على قلوبهم، وأفسد فطرتهم، وأنساهم ميثاقهم مع الله – عز وجل – فلم يهتدوا إلى هذا الكتاب المنير، الذي ينطق بالحث وبه يعدل، فكانت نتيجة ذلك كله هي هذه المعاناة التي تتجرعها الإنسانية كلها من خوف، وقلق، وتوتر، وجوع، وشقاء في الدنيا، ولخسران الآخرة أكبر، وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القائل في شأن القرآن العظيم: “ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله”.

وأكمل الله نعمته على الناس، لئلا يكون لهم عليه بحجة، حيث اصطفى لخدمة كتابه العزيز خيرة من عباده في كل عصر مصر، آتاهم بسطة في العلم، ورزقهم صحة في الفهم، فانكبوا على هذا الكتاب يقربون معانيه إلى الناس، ويستخرجون لهم كنوزه، ويبينون لهم حكمه، ويعلمونهم أحكامه.

وقد منّ الله – قديما وحديثا- على الجزائر إذ بعث فيها كوكبة درية من العلماء قضوا أعمارهم وأمضوا أوقاتهم في تفسير كتابه لقومهم، حتى يؤمنوا به عن بيّنة، ويتشبّثوا به عن وعي، ويطبقوه عن فهم، ويجادلوا عنه بعلم.

ومن هؤلاء العلماء في العصر الحاضر الإمامان الجليلان عبد الحميد ابن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وإبراهيم بيوض، أحد أعلامها، اللذان لم يسلكا في تفسيرهما كتاب الله – عز وجل- ما سلكه غيرهما من علماء الأمة الإسلامية من الانزواء في ركن، والانكباب على كتابة تفسير للقرآن الكريم، بل كانت طريقتهما هي طريقة التفسير الشفهي المباشر، كما كان يفعل رسول الله – عليه الصلات والسلام- وصحابته عليهم الرضوان، وهي أمثل طريقة لإحداث التأثير المطلوب، لما تتميز به من التفاعل والتجاوب بين المفسر والمتلقي.

وكم وددت لو وجدت ضمن مراجع فضيلة الشيخ الأخضر الدهمة – كتاب “مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير” للإمام عبد الحميد ابن باديس، الذي فتح الله عليه فتوحات في تفسير المعوذتين، وزاد تلك الفتوحات سناء وسنى قلم إمام البلاغة والبيان في هذا الزمان، الإمام محمد البشير الإبراهيمي، الذي دوّن وسجل ذلك التفسير البديع.

لقد وفق الله شيخنا الفاضل الأخضر الدهمة للجمع بين الطريقتين، طريقة الإلقاء، وطريقة التدوين، فجمع بين الحسنيين. فهذه “القطوف الدانية” هي في الأصل دروس ألقاها سماحته على المؤمنين، ببعض مساجد متليلي وغرداية، قبل صلاة الجمعة وبعد صلاة الصبح، ثم أعدّها للطبع بع أن شنّف بها السمع.

إن فضيلة الشيخ الأخضر الدهمة، الذي قضى سواده، وهو الآن يقضي بياضه متفيّئا ظلال القرآن الكريم أهل لخوض بحر القرآن، لما يملكه من وسائل وأدوات هذا الخوض، وهي المعرفة العميقة باللسان العربي، وفقه أسراره، وتذوق بيانه، والإلمام الكبير بالسنة النبوية الشريفة، التي هي بيان للقرآن الكريم، والاطلاع الواسع على أمهات التفاسير بمختلف مدارسها، والاستحضار للقرآن كله، لأن القرآن يفسر بعضه بعض، والتمكن من الفقه، والتجربة الغنية في التعليم، مما يمكنه من  تبليغ الأفكار وتقريب المعاني إلى الأذهان، ومخالطة مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، مما يساعده على فهم النفوس البشرية، ومعرفة الأمراض النفسية والآفات الاجتماعية التي لا دواء لها إلا القرآن، ولا شفاء منها إلا بالقرآن، إذ القرآن هو سكانير (scanner) النفوس.

جرت العادة أن يكون مصدرو الكتب أعلم من مؤلفيها أو في مستواهم، ولكن العارفين سيرون في هذه المرة “بدعة”، وهي أن كاتب هذه الكلمة أقل علما، وأدنى مكانة، وأصغر سنا من المؤلف ما كنت – علم الله – أود أن أوضح في هذا الموقف الحرج، وقد ألقيت معاذيري فلم تجد قبولا، وسوّفت، فصبر عليّ، حتى استسلمت وسطرت هذه الكلمة التي لا يشنع لها إلا صدق صاحبها في حب فضيلة الشيخ الجليل الأخضر الدهمة.

والله أسأل أن يتقبل عمل شيخنا الفاضل، وأن يجعله صدقة جارية، ثم نطمع أن يزيدنا من هذه القطوف الدانية، وما ذلك عليه بعزيز.

* كتبت هذه الكلمة لتكون مقدمة لكتاب شيخنا الجليل، وشاء الله – عز وجل- أن يصدر الكتاب بدونها لسهو وقع من المشرف على الطبع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • بدون اسم

    بيّنوا لنا من هذا العلم الغزير حتى نستفيد !أين هو ؟

  • merghenis

    جاء في التعليق : -فهل تعرف أن لطفيش القطب أشهر تفسير...
    •جاء في مقال الكاتب بعنوان :"وُونِي إِوَعْزَام خَاطِ اِمْحَمَّد اَنْ يُوسَف"،يوم15/7/2013
    «عرف الإمام "القطب" بغزارة العلم، وحدّة الذكاء، حيث جلس للإقراء وسنه ست عشرة سنة، وتخرج على يديه كثير من العلماء، .......... وترك ثروة غزيرة من التآليف المختلفة الأحجام والموضوعات أوصلها بعض الدارسين إلى 300 من أهمها تفسيره للقرآن الكريم،....»

  • عمر

    أستاذ ذكرت تفسير الشيخ بيوض وهو إباضي فهل تعرف أن لطفيش القطب أشهر تفسير للإباضيين ومع الأسف فيه تكفير صريح للخليفة الراشد عثمان ض وذلك في تفسير الآية 55 من البقرة حيث تبنى طفيش طوام من أقوال الزنادقة في الخليفة الشهيد صاحب المصحف يكفره فيها ويسخر من العلماء الذين نصروه فواجبك أن تنبه الإباضيين على هذا المزالق الخطير في بلد دينه الإسلام ومذهبه مالكي سني فهو أهم من استدراك عدم وجود تفسير ابن باديس في مراجع ش. الدهمة فذلك اتجاه أكاديمي لا يلزم كتابا ذي أصل شفوي وهو ما يلاحظ في تفسير ش كعباش أيضا

  • خالد

    من رام مُدَّخلَ القرآن عَنَّ لـــــــــــــــــــــــــــــــــه في "الأخضر الدهمةِ" السامي بتفســــــــــــــــير
    أُنيل فيه مناطَ الحُسنيين وقــــــــــــــــــــــــــــــــد أفاد مسْتدَّ رأي هديَ مأثـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور
    يُحلي مِنَ الدرس ما تَحذي مَــــــــــذاقتُه ويشرح الآيَ في لطف وتيسيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
    أهدى (قطوفا) من الآيات (دانيـــــةً) من ناشئ فتعاطاها كنِحْريــــــــــــــــــــــــ

  • أحمد

    السلام عليكم
    حتى في الإسلام كثير ممن ينتسب إلى العلم قال على الله غير الحق و بغير علم لأنهم لم يكتفوا بالقرآن و السنة و سلف الأمة الذين أمرنا باتباعهم و سبب البلاء تقديس العقل و جعله حاكما على الوحي

  • نورالدين بن عبيدي

    الأية تتحدث عن أهم أوصاف ميزات القرءان: الدور الوظيفي! تبيان فكري نظري بين الحق/الباطل و بين الخير:الشر.. و الهداية عكس التيه، و صياغتها: ـ إن حرف توكيد ـ هذا إسم إشارة ـ يهدي فعل مضارع يدل على الثبات و الإستمرارية... القصد لابد من تفكيك الكلمة نجد: قراءة: دراسة التدبر من المراجعة، التذكر من إسترجاع ما تعلمناه، و الله يأمر دائما بدراسة الأية! و هي مقارنة و جمع الأيات لفهم ءاية! هذا كله يحتاج لجهد و عمل طويل ياريت نجمع أقوال العلماء ــ إن ُوجدت ــ لأن السيّرة العلمية أهم بكثير من السيرة الشخصية !

  • نورالدين بن عبيدي

    الإسلام و العقل ،الإسلام و العلم! لا يوجد أبد تكبيلا للعنصرين مع الإسلام بل بهما نفهم المقصود{ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } السيّر هو قطع مسافات من مكان لأخر، ليفتح لنا القرءان طريقا أقوم للتعلم التفكير التأمل البحث... مستحيل أن يُخلق عقلا يصطدم مع حجة من القرءان أو من الخلق بأطيافه! و لا تكاليف تصطدم مع العلم... قد يقول قائلا: إذا فلماذا أمتنا متخلفة ؟ أولا: ليس كل الناس تأخذ تعاليمها من القرءان بسبب فقدان الدراسة للأيات و الإكتفاء بالتبيان الشرح الأدبي يشبه الشعر في نهايته

  • نورالدين بن عبيدي

    { إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم }! الأية من سورة الإسراء نزلت في عام الحزن بمكة، و معرفة ظروف نزولها نعرف معانيها، حيث لم يؤمن إلا القليل و حاربه أهل الطائف جميعا، وفاة خديجة و موت عمه! و زادت قريش أكثر شراسة على فئة قليلة... يا محمد! لا تخاف لا تحزن معك القرءان يهديك السبيل فيه: التطهير التغيير التأهيل و التطوير. و لكن ماهو الدليل على أن القرءان يهدي للتي هي أقوم؟ لما نرجع لأوامر القرءان نجد التكاليف كلها منسجمة مع الفطرة، لا تكليف واحد يتركك تشعر بعبء أو مستحيل! قاعدة الإسلام بين عقل و علم:

  • merghenis

    •في الفقرة الثانية ، الآية :" "يهدي للتي هي أقوم"، (الإسراء/9).
    •ترجمة الشيخ المقسر الأخضر الدهمة موجودة على الشبكة.جاء فيها:
    «دخلت السنة الدراسية : 1947م -1948م , فتوجه للدراسة كالمعتاد , وفي ليلة من ليالي شهر أفريل 48م , نفذت المؤامرة التي حيكت لوالده قويدر الدهمة بأمر من الحاكم الفرنسي , وذلك بإفراغ محله التجاري من جميع محتوياته , والاستيلاء عليها , ثم إشعال النار فيه لتأتي على خزائنه ورفوفه الخشبية , عقوبة له على عصيان السلطة الحاكمة في إرسال ابنه إلى تونس .» ...

  • بدون اسم

    "تروح تروح" كما يقال عندكم وترجع لابن باديس.

  • هاشمي

    أنتم أهل لكل خير أستاذنا فلولا قدرك العالي في العلم و الإعلام و إخلاصك لثقافتك و دينك و رموزه لما أصر المفسر الجليل الشيخ الاخضر الدهمة على تصديرك لكتابه و أنا أقول و بإخلاص بأنك النبع الصافي للثقافة الإسلامية في الجزائر فمقالاتك القيمة تروي ظمأنا في التعريف ما تزخر به الجزائر من علماء مخلصين لدينهم و لغتهم و تاريخهم ، فامض أعانك الله فنحن نحتاج أن نقول بملء فينا أن الجزائر وطننا و الإسلام ديننا و العربية لغتنا بكل ما تحمله هذه الكلمات من معنى