كتابي “سهام الإسلام”
.. كما ألفت كتابا آخر سميته “سهام الإسلام”، ولما تكلمت في السهم الثامن عن الجهاد في الإسلام، وبينت من هو المجاهد الحقيقي
-
وبينت حسب الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، من أنه عبادة، ولابد لها من نية مثل جميع العبادات، ومن اللازم على المجاهد أن ينوي بجهاده أن تكون كلمة الله “لا إ له إلا الله محمد رسول الله” هي العليا، ومن لم تكن له هذه النية فلا يسمى مجاهدا، فعارضه بعض من ادعى الجهاد زورا وكذبا، وحاربوه وطلبوا من الحكومة حجزه ومنعه من الرواج، وكثير منهم في الحكومة، لأنه كشفهم، ولم يترك لهم مكانا في باب الجهاد، حيث إن البعض منهم خرج عن تعاليم الإسلام، فترك الصلاة، وشرب الخمر، وأفطر في نهار رمضان، مما دل على أنهم غير مجاهدين، وأنهم هادمون للإسلام، إلى آخر ما صدر ويصدر من بعضهم، من أجل صراحتي هذه، عارضَته هذه العصابة، وقالوا لي إنك تكلمت في المجاهدين “يعنون سببتهم” فسعوا إلى الحكومة بأرخص السعايات، وتولى كبر هذه الدعاية من كان مستوليا على تسيير الأمور في الحزب، وأمرت بعض الوزارات بحجزه وبمنعه من الرواج، فتولت إدارة الشرطة ذلك، والوزارات تلك هي: وزارة الثقافة ووزيرها عبد الحميد مهري، ووزارة المجاهدين ووزيرها محمد الشريف مساعدية، ووزارة الشؤون الدينية ووزيرها باقي بوعلام، فكاتبوا إدارة الشرطة وأمروها بحجزه ومنعه، ففعلت كما أمروها، بعدما صدرت طبعته الأولى سنة 1980 فنفدت في مدة أقل من شهر، وطبعت منه خمسة آلاف فقط، ولما نفدت أعدت طبعه بعشرة آلاف نسخة، وهي الآن (في ذلك الوقت) معطلة في مطبعة الشركة الوطنية للنشر والتوزيع بنهج زبانة، وهذه حرية الرأى في النظام الاشتراكي!
-
وألفت كتابي الثالث وأسميته (في سبيل العقيدة الإسلامية)، تكلمت فيه عن العقيدة الإسلامية، ومن كان يحملها، وهي عقيدة التوحيد، وقد أوذي في سبيلها من كان إيمانه بخالقه كاملا قويا، وذكرت منهم طائفة من أولئك الأبطال مثل: إبراهيم الخليل عليه السلام، فقد ألقي في النار ولم يترك التوحيد، ومثله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما أصابه في سبيل تبليغ هذا الدين إلينا، ومثله أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله في سورة “والسماء ذات البروج”، وبلال، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وغيرهم، وقد لقيت الكتب الثلاثة إقبالا كبيرا، وهذا أعده من توفيق الله لي وتكريمه للعاملين في سبيل دعوته، وهذه حادثة حدثت لي في المدة الأخيرة فقط، ومنها نعرف النظام الذي تسير عليه الجزائر.
-
بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
-
في صبيحة يوم الخميس 9 صفر 1403 هـ الموافق لـ 25 نوفمبر 1982 م على الساعة الرابعة صباحا، وقبل طلوع الفجر بساعتين، دق جرس منزلي في القبة، فخرج ولدي فائق، وما إن فتح الباب الخارجي حتى أسرع شرطة الجيش إلى الدخول، وسألوه عني فقال لهم إنه نائم، وفي الحين صعدوا إلى غرفتي، ولما خرجت إليهم قال لي أحدهم: البس ثيابك وسر معنا ـ ولست وحدك ـ فلما لبست ثيابي بسرعة سرت معهم، وركبنا سيارتهم، فسلكنا طريق العناصر، ثم مررنا بمكان القنطرة التي مازالت بها الأشغال في بئرمرادرايس في اتجاه الطريق السريع الرابط بين الأبيار والقنطرة المذكورة، وعند بلوغ السيارة إلى المنعرج الذي يؤدي إلى بن عكنون والملعب الألومبي – يسارا- غطى لي رأسي الشرطي الذي كان إلى جنبي في السيارة بطرف جبتي، حتى لا أرى المكان الذي سيدخلونني إليه، وبعد أن دخلنا إلى المكان الذي أخذوني إليه، ونزلنا من السيارة، سلكوا بي مدخلا جنباته من الزجاج، يرى فيه المار منه ذاته كلها وهو ملتو، فما خرجت منه حتى اعتراني دوار كدت أسقط منه على الأرض، وبعد أن خرجت من هذا الممر الضيق العجيب، أدخلوني إلى المكتب – مكتب استقبال الضيوف – المعد لتقييد وكتابة حالة المعتقل المدنية، وبعد إجراء هذه العملية، التي هي السؤال عن الاسم واللقب واسم الأبوين واسم الزوجة وعدد الأولاد إلخ، طلب مني الكاتب واسمه “عبد القيوم” من قسنطينة، وهو ضابط برتبة ملازم أول، طلب مني أن أخرج كل ما كان تحتي وفي جيوبي، فأخرجت كل ما في جيوبي ووضعته أمامه فوق المنضدة، ثم قدموني إلى المصور فجلست أمام آلة التصوير، فصورني من الأمام ومن جنب الوجه الأيمن، ثم ساقني جندي إلى مكان الغسل، فأمرني بنزع ثيابي وألبس ثوبا واحدا منه القميص والسراويل، وهو المعروف بـ (كونبينيز) ثم ساقني إلى (زنزانة) – سيلول – فأمرني بالدخول إليها، وهي صغيرة جدا عرضها ثلاثة أذرع – متر ونصف – وطولها خمسة أذرع – متران ونصف – على بابها رقم 4، وبابها حديد وقفلها حديد، وهو قضيب طويل يقفل من الخارج وليس فيها هواء يستنشقه من كان فيها، وما فيها إلا نافذتان صغيرتان، إحداهما في وسط الباب، والأخرى عند السقف العالي جدا في كل واحدة منهما خمسة عشر سنتمترا طولا، ومثلها عرضا، وفوق النافذة العليا مصباح ضعيف لا مكن للمرء أن يقرأ على ضوئه، فهي قليلة الهواء، لأن النافذتين يفتحان إلى ممر (دهليز) ضيق، ومن أجل هذا كدت أختنق من قلة الهواء، ولا أتنفس جيدا إلا إذا طلبت من الجندي الخروج إلى الميضاة لأقضي حاجتي، أما الفراش فهو قطعة قذرة ملوثة بالأوساخ، مصنوعة من “البنج” المعروف بمادته فوق بنك من اللوح بدون إزار، أما الغطاء فلا بأس به من البطانيات، وإذا ضاقت نفسي وأردت الخروج إلى الميضاة طرقت الباب الحديدي المغلق من الخارج، ومفتاحه في عنق الجندي، إذ له عدة زنزانات، فأطرق عدة مرات، فإذا سمعني الجندي ونظر إلي من النافذة الصغيرة وقال لي: ماذا تريد؟ فأقول له أريد الخروج إلى الميضاة، والحجرة المحترمة ليست وحدها، بل هي في صف طويل من مثيلاتها، بقيت فيها ثلاثة أيام: الخميس، والجمعة، والسبت، وفي يوم الأحد قلت للضابط المذكور سابقا المكلف بالمركز: إنني لم أستطع البقاء في هذه الزنزانة الضيقة، لأنني أكاد أختنق من قلة الهواء، فأمر الجندي بنقلي إلى زنزانة أخرى في ذلك الصف من الزنزانات، تحمل رقم 7 ومساحتها تعادل اثنتين، من النوع المذكور أزيل الحاجز بينهما، فهي في المساحة ضعف الأولى، غير أن النوافذ مقياس واحد، وفيها نافذة واحدة في الباب والأخرى قرب السقف.
-
وفي يوم الأربعاء فاتح ديسمبر 1986 ضاقت بي المساحة الضيقة المذكورة، وكدت أختنق من قلة الهواء فطرقت الباب، وبعد مدة جاءني الجندي قائلا: ماذا تريد؟ ولقبه (زنوج) فقلت له: قل للضابط المكلف في المكتب إني أريد استنشاق شيء من الهواء، فلما أخبره بما أريد، أمر بالإتيان بي وأنا لا أستطيع المشي إلا متوكئا على العصا لشدة ما لحقني من الضعف والوهن، فلما أخرجني إلى مكتبه، وفتح لي النافذة الكبيرة، تنفست ثم اعتراني دوار في رأسي، ورأيت الأرض وكأنها تدور من حولي وكدت أسقط من الكرسي إلى الأرض، وأخذ وجهي في التلون ـ حسبما ذكر لي ذلك من كان حاضرا من الضابط والجنود ـ ولما رأى الضابط ما أصابني، حولني إلى حجرة واسعة بالنسبة إلى الأخرى التي كنت فيها، وفيها نافذة كبيرة وفراش جيد وسرير محترم وضوء كامل ومسخن، وقال لي الضابط: هذه حجرة جندي أخرجته منها وسلمتها لك، فاسترحت نوعا ما مما كنت أعانيه في الأيام الستة الماضية، ومن الغد ـ أي يوم الخميس 2 ديسمبر ـ جاءني الجندي مسرعا وقال لي: أسرع البس ثيابك، فإنك ذاهب إلى بيتك، وبعد لبسي ثيابي ذهبت إلى مكتب الضابط المذكور، فوجدت فيه الشيخ أحمد سحنون جالسا مع الضابط، وقد كان في زنزانة قريبة مني، ولكن لا أراه ولا يراني، وهنا أعاد لي الضابط كل ما أعطيته في أول يوم، ثم خرجنا وأركبونا في سيارة “إسعاف”، وقبل خروجنا غطوا رأسينا ولم يكشفوا عنا إلا بعد أن كنا قرب القنطرة التي يمر منها الذاهبون في اتجاه بني مسوس وغيرها، وبجنبها طريق بوزريعة، وهي القريبة من جامع “الأرقم” شوفالي، وسلكت بنا السيارة الطريق النازل إلى باب الوادي، وسرنا إلى المستشفى العسكري، فأدخلونا إلى حجرة واسعة أعدت لنا، فيها سريران أحدهما لي والآخر للشيخ أحمد سحنون، وبادرونا بالفحص الطبي، وأعطونا ما نحن في حاجة إليه من الأدوية والعلاج، مع الأكل الجيد وما يتبعه، ولأول مرة من يوم خروجي من المنزل لم أر أحدا، وفي المستشفى جاءني الأولاد والأهل وبعض الأصدقاء، فبقينا فيه سبعة أيام أخرى، وفي صباح يوم الخميس 9 ديسمبر 1982، جاءنا الجنود والضباط على الساعة الخامسة صباحا قبل الفجر، وأمرونا بلبس ثيابنا بسرعة والسير معهم، فأركبونا معشر الاثنين، والشرطة معنا بداخل السيارة، وأخذونا إلى مركز محافظة الشرطة، فبقينا في السيارة نحو الساعة، والشرطة في حركة دائمة، وأمامنا حافلتان بداخلهما جماعة من الشباب المسلم، كانوا في معتقل الشرطة المركزية، وفي حدود الساعة السادسة والنصف، أقلع الركب الميمون الذي يحمل رجال الإسلام، فأقلعت السيارات، ومنها سيارتنا مع اثتين من الشرطة بداخل سيارتنا، وأمام هذا الرتل من السيارات شرطيان من الدّرّاجين لإفساح الطريق، ومثلهما من الخلف، ونحن نقول في باطن نفوسنا: إلى أين المسير بنا؟ إلى المنزل؟ – لا – فقد ابتعدنا عن طريق المنزل، ثم تبين لنا أننا إلى (المدية) إلى محكمة أمن الدولة، كأننا مجرمون يساقون إلى المحكمة لإجرامهم ، – سبحان الله، ماذا لقينا من الثورة الجزائرية التي خدمناها بعقولنا وأجسادنا ووضعنا رؤوسنا أمام المشانق والمقصلة، كما قاله لي الشيخ أحمد حماني، لما اطلع على ما كنت قائما به للثورة، ومن أجل حرية الجزائر واستقلالها، ولما وصلنا إلى المدية التي تبعد عن العاصمة بنحو 84 كلم، وقفت بنا السيارة أمام المحكمة، وأنزل الجميع، وسيقوا تحت حراسة الشرطة إلى داخل المحكمة، إلى قاعة الجلسات، وهناك التقينا مع الشباب الإسلامي الذي كان محتجرا مثلنا، وفيهم الأساتذة في الكليات والجامعات، وبقينا كامل اليوم من الساعة الثامنة والنصف جالسين على المقاعد الخشبية إلى ما بعد العصر، وبالضبط إلى الثالثة والنصف، وبعدها جاء ضابط شرطة وشرع ينادي على الشبان أولا، ثم نادى أحمد سحنون أولا وسلطاني عبد اللطيف ثانيا، فصعدنا إلى الطابق الأول، وجلسنا فوق أبناك من اللوح، وبعد مناداة ثانية، دخلت مكتبنا على من أظنه كاتب المحكمة، وبعد الإجراءات المعروفة، أخبرني بأني متهم بعداوة الدولة، وبأني شاركت في نشر وتوزيع منشور، وهذا مخالف لقانون الدولة، فقلت له: أما المنشور فنعم، لأن حالة من التوتر ظهرت أخيرا بين الطلاب الجامعيين والشرطة، فأردنا بنشره وتوزيعه تهدئة الحالة النفسية من ذلك التوتر والاضطراب، لأن الطلبة الجامعيين لهم ثقة في علمائهم، ذلك أن ما يشكون منه تقدم به العلماء في هذا المنشور للدولة، كي تراجع أمر هؤلاء الطلبة، لأنهم أبناء الأمة الجزائرية، وسيكون منهم المهندس والأستاذ المربي والطبيب إلى آخره، وليس من الحكمة والعدل إهمالهم وتركهم تؤثر عليهم دعاية الملاحدة المبثوثة في أوساطهم، فهم مسلمون أبناء مسلمين، ونحن الكبار نموت والحياة بعدنا لهم، فنربيهم تربية إسلامية حتى لا تخسرهم الجزائر في مستقبل حياتها وحياتهم، لأن الإلحاد الشيوعي أكثر من بث سمومه في الأوساط الطلابية والجامعيين منهم بالخصوص، فلسنا من العلماء الناصحين إذا سكتنا عن هذا الخطر الذي أخذ يهدد ديننا ومجتمعنا الإسلامي، لأن ثورة التحرير في وقتها لم تر واحدا من هؤلاء تقدم إلى صفوفها، بل فر الكثير من الشيوعيين إلى خارج الوطن، ولم يبق هنا إلا شباب الجزائر الجامعي الإسلامي وغير الجامعي، أما معاداتي للدولة فهذه تهمة باطلة ورخيصة، أريد بها الإساءة إلى سمعتي، وقد عرفناها في زمان فرنسا، إذ كانت تقول لنا : “آنتي فرانسي”، فكنا نظن أنها ذهبت معها، فقال لي: إنك مطالب شرعا لدى محكمة (أمن الدولة)، ولك الحق في إنابة محام عنك إذا دعيت إلى الوقوف أمامها، فهل تنيب عنك محاميا؟ قلت: نعم، ثم أرجعني الشرطة إلى منزلي مع الشيخ أحمد سحنون، وهو أيضا إلى منزله، وقبل رجوعنا إلى منزلينا، أوقفونا مدة لدى المحافظة المركزية ريثما أبلغونا أمرا بأنه يجب علينا بداية من الآن: 9 ديسمبر 1982 الإقامة الجبرية في منازلنا.. وأصدرت قوة الأمن في الصحافة أنها ألقت القبض على23 شخصا، وأحالتهم على محكمة أمن الدولة، وأفرج عن سحنون وسلطاني مؤقتا، غير أن القانون في مثل هذا أن الإقامة الجبرية والسراح الوقتي إلى يوم المحاكمة لا يكون معه حراسة، فالمطلوب يبقى في منزله بلا حراسة إلى يوم المحاكمة، فإذا طلبوه إليها ذهب من تلقاء نفسه، ولكن نحن نعيش في الجزائر وكفى، فها إني مقيم الآن في المنزل من ذلك التاريخ إلى وقت كتابة هذه الأسطر، والمدة زادت على الثلاثة شهور، من غير أن تسمح الشرطة الحارسة للمنزل باتصال أي أحد بي، حتى إن من وقف معي في الشارع وأراد السؤال عني أمروه بالانصراف، ومنعوني حتى من الخروج إلى صلاة الجمعة، والحلاّق لا يأتيني إلا بإذن خاص، كأنني مجرم ـ قاتل أو سارق ـ ولا يزورني إلا من كان من أهلي وأقاربي وأصهاري، وبالجملة، فالذي رأيته من شرطة جيشنا لم أر منه العُشر من جنود جيش العدو الاستعماري، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا راجع كما قلت إلى التغلغل الشيوعي الإلحادي في حكومتنا، وعند الله نلتقي يوم القيامة، ونأخذ ممن ظلمنا، ولا يضيع حقنا فيها كما ضاع في الدنيا.
-
ولا أنسى قضية ساعتي التي أعرف بها أوقات الصلاة، فقد حجزوها عني يوم دفعت إليهم كل ما كان تحتي، من أوراق ودراهم إلى آخر ما ذكرت، وقد طلبت منهم مرات ومرات أن يعطوني ساعتي لأعرف بها أوقات الصلاة، فلم يعطوها لي إلا يوم خروجي من الزنزانة، وفي بعض الأوقات أصلي وأعيدها، لأن الأذان لا يسمع جيدا، فيقع لي الشك في دخول الوقت، وللواقع، أقول عندما كان جيش فرنسا العدوة لنا يأخذني ويطلب مني ما طلبه جيشنا مني، فإذا وصلنا إلى الساعة التي كانت عندي ولم تفارقني أبدا، أقول للضابط الكافر: اترك لي الساعة لأعرف بها وقت الصلاة، فيقول لي: خذ، ويعطيها لي من مرة واحدة بلا إعادة الطلب له، فلينظر المرء الفرق بين الجنديين.