كنت ضدّ إجراء المباراة بين فرنسا والجزائر في 2001 لأنّنا كنّا ألعوبة في يد السّاسة
يعترف اللاعب الدولي الفرنسي الأسبق إيمانويل بوتي، في هذا الحوار الذي خص به حصة “بروفو فوووت” التي بثت على قناة “الشروق” ببرودة علاقته مع زميله الأسبق في منتخب “الديكة” زين الدين زيدان، مؤكدا بأن هذا الأخير لم يكلمه منذ 7 سنوات كاملة، وانتقده في الوقت نفسه بعدم توظيف سمعته لإصلاح المجتمع حسب قوله، وقال بوتي بأنه كان ضد إجراء المباراة الودية بين فرنسا والجزائر عام 2001، لأن الكرة وظفت حسب قوله في ألاعيب سياسية، ولم يخف بوتي انبهاره بالمنتخب الوطني الجزائري في مونديال البرازيل، مؤكدا على اكتشافه للاعبين بارزين على غرار الحارس مبولحي وسليماني، كما يعطي رأيه في هذا الحوار حول عديد اللاعبين والكثير من القضايا الرياضية التي تربط الجزائر بفرنسا.
-بداية نشكرك على استضافتك لنا في منزلك هنا بباريس، “القنّاص” هو عنوان كتابك الجديد الّذي صدر هذه السّنة، والّذي يتبع كتاب أوّل أصدرته منذ سبع سنوات، لماذا أصدرت هذا الكتاب الثّاني؟
أنا مولع بالكتابة الّتي هي هوايتي منذ نعومة أظفاري، حيث كنت أكتب في كنّاشات صغيرة نصوصا ساخرة كما تفعل المراهقة الّتي تدوّن مذكراتها، وكانت طريقة لي كي أقوم بتحليل نفسي وأواجه شخصيّتي، وعليه فقد كانت الكتابة متنفّسا لي ووسيلة لتحليل نفسي.
-لماذا أصدرت كتابا آخر بعد الأوّل؟
فكرة تأليف كتاب ثان عن كرة القدم كانت تراودني منذ مدّة، وأردت الحديث عن الهوّاة والمحترفين والمناصرين والحكّام والواقع الاجتماعي لكرة القدم، وعن السّياسة بقدر قليل، وكذا عن الجانب الاقتصادي، وهذا لأعبّر عمّا يزعجني في كرة القدم الحالية، وقد قدّمت أيضا بعض الأفكار لأنّني لم أرد أن يكون كتابا منحصرا على الاتهامات، فقد حرصت على أن يكون كتابا بناء مع الإدلاء برأيي حول كرة القدم المعاصرة، سواء في تسييرها السّياسي أو الرّياضي أو الاقتصادي، ألفت الكتاب بمساعدة قادر بوداود زميلي في التعليق على قناة فرانس 2، ولقد أكّدت الوقائع ما كتبناه، خاصّة مع فضيحة الفيفا، حيث كان لنا في فرنسا نصيبنا من الفضائح خاصّة مع الصّراع بين الرابطة المحترفة واتحاد الكرة حول عدد الأندية التي تصعد وتنزل، لما رأيت ما يجري في الفيفا على خلفيّة ما كان يحدث أيضا في الاتحاد الأوروبي للكرة، قلت إنه بلغ السّيل الزّبى، فأردت أن آخذ الكلمة لأعبّر عن شعوري وأقترح بعض الأفكار.
-أكثر اللّاعبين يكتبون سيرهم الذاتيّة ويروون أهم المحطات في مشاويرهم الكروية، لكنّك تختلف عنهم في كونك لبست ثوب منبّه الضمائر، ما قولك؟
لأننا في 2015 والمنبهون لا يُعنَون بالأهميّة اللازمة، لا من طرف الصحافة التي فقدت دورها الأساسي في تزويد الرّأي العام بالأخبار والتّحقيق في الميدان، ولا من طرف أصحاب القرار، نحن قناصون كما يعبّر عنه عنوان الكتاب، نحن مفكرون أحرار في مجتمعنا، وأنا أحبّ هذا المصطلح وأحبّ كذلك موقفي هذا، صحيح أنّ ذلك يضعني على الهامش، لكن هذا يتماشى مع شخصيّتي.
-هناك الكثير من المفكّرين ضمن منتخب فرنسا 1998، مثل ليليان تورام، وليزارازو وديسايي وديشان وتييري هنري الذين يقولون أشياء قيّمة، هل ساهم هذا النّضج الفكري الذي ميّز جيلكم في إحرازكم كأس العالم؟
كان مدربانا في 1998 إيمي جاكي وروجي لومير، فلومير كان مدرّبنا عند نيلنا كأس أمم أوروبّا في 2000، وهو المدرّب الوحيد الذي نال كأس أمم أوروبا وكأس أمم إفريقيا وهذا إنجاز بارز، ويملك إيمي جاكي وروجي لومير خصال عدّة كمدربين وكذلك كأشخاص، حيث كان لهما الحظّ في تلك الفترة بامتلاكهما لمجموعة من اللاعبين الموهوبين ذوي شخصية قوية وعلى جانب من الذكاء، لا أدري ما معنى أن يكون الإنسان مفكرا، لكن أعتقد أنّنا كنا أحرارا في تفكيرنا وفي أقوالنا وما زلنا كذلك، صحيح أن نيل الألقاب يضفي مصداقية على تصرفاتنا ويعزّز حريتنا، أعتقد أنه قبل حتى أن نفوز بالألقاب كنا بنفس الشخصية وكنا نتميّز بروح المسؤولية .
-أكيد أن الموقف الذي كان له الصدى الإعلامي الأوسع والذي جلب لك حقد الكثيرين هو انتقادك لزين الدين زيدان في 2008، حدّثنا عما حدث بالضبط؟
أنا أتناول هذا الموضوع في كتابي الثّاني، لكي يفهم النّاس حقيقة الموقف، كنت أعتبر في السّابق أن “زيزو” يملك القدرة على التّوفيق بين مواقف رب العمل ورجل الشارع، وهذا بفضل تواضعه وكلماته البسيطة وشخصيته، هذا ما جعلني أكتب ما كتبته عنه في تلك الفترة، تذكروا أنه حين فزنا بكأس العالم في 1998 كانت هناك موجة من العنف في الضواحي، قلت أنه كان يجب أن يكون لنا صوت آخر وأذن أخرى تختلف عن الحملات الإعلاميّة التي يطغى فيها الساسة بخطابات كاذبة، لا نملك اليوم في فرنسا أشخاصا يؤدّون هذا الدور، هناك ربما أفرادا، لكنّ أشعر أنّهم محل تلاعب أطراف في الخفاء، وليسوا إلا أبواقا تردّد خطابا سياسيّا واحدا، “زيزو” ليس من تلك الطّينة لأنه يملك حرية تامة، هذا ما جعلني أقول حينئذ: من المؤسف أنّه لم يستعمل سمعته وهالته لخدمة النّاس وإصلاح المجتمع وتمثيل الأغلبية الصامتة.
-إذن حسب قولك فموقفك أسِيئ فهمه؟
لقد أساء فهمه هو، حيث التقينا لساعات طويلة في 2008 على هامش انطلاق كأس أمم أوروبّا، وشرح لي وجهة نظره، لقد حضرت بكتابي وفتحت له الصفحة وطلبت منه أن يقرأ ما كتبته عنه بصوت عال، حتى لا يكون سوء فهم بيننا، وبعد أن أتمّ القراءة نظرت إليه وقلت له: كما ترى لم أقل أيّ شيء يقلّل من احترامي لك أو لعائلتك، تحدّثت عنك كما تحدّثت عن العشرات من اللاعبين الآخرين في ذلك الكتاب، هذا ما جعلني أعود إلى هذا الموضوع في كتابي الثّاني لكي أطوي الصفحة.
-هل يمكن القول أنّ علاقتك الآن مع زيزو قد تحسّنت؟
لم تتحسّن لأنه أصلا ليس لي أية علاقة به.
لكنّ هل تتمنى أن تعود المياه بينكما إلى مجاريها؟
بكلّ صراحة، نحن 7 ملايير شخص على الأرض، حتى وإن كان لا يحبّني ويتمادى في تجاهلي فهذا لا يهمني، أتمنى له كل السعادة والنجاح في مشواره كمدرب، أما أنا فأركز على قناعاتي وكل ما أعتبره طبيعيا ومنطقيا بالنسبة لي، لقد صادفت طريقه عدّة مرات وكانت المرة الأخيرة منذ ثلاث سنوات بمناسبة المباراة الاعتزالية لبرنار لاما في ملعب حديقة الأمراء، كانت تفصل بيننا مسافة خمسة أمتار، لكن لم ننظر إلى بعض ولم نتحدث إلى بعض، لقد قال إنه لن يتحدث عني مستقبلا في الجرائد، هذا لا يمنعني من أن أنام هادئا.
-هل يمكن القول إنه لا يوجد خلاف شخصي بينك وبين زيزو، وأنّ الأمر مجرّد سوء تفاهم؟
ليس سوء تفاهم بالمرّة، لأنه لما قرأ ما كتبته أدرك أنّني لم أشتمه أبدا، كل ما في الأمر أنني قلت حقيقة لم يتجرّعها.
-بعد المباراة الشهيرة بين فرنسا والجزائر في 2001 التي عرفت اجتياحا للميدان، كنت الوحيد الذي قال إن تلك المباراة لم تجلب لكم أي شيء من الناحية الرياضية، فماذا كنت تقصد بالضبط؟
فعلا وقلت أيضا شيئا آخر لا أدري إن تداولته وسائل الإعلام في تلك الفترة، وهو أنّ تلك المباراة تجد شرعيّتها في حالة واحدة، وهي أن تُجرى في الجزائر بسبب الماضي الاستعماري لفرنسا، وكلّ ما نعرفه عن تاريخ البلدين الجزائر وفرنسا تتحبّان بكراهية إن صح التعبير، كان من الواجب أن نتذكر التاريخ، وهذا ما جعلني أتمنى أن تُجرى المباراة في الجزائر، لكن قيل لي أنّ الظروف الأمنية لم تكن مواتية لذلك، لقد شاهدنا أن الظروف الأمنية لم تكن متوفرة في ملعب فرنسا كذلك، عندما يتم اجتياح الميدان يستطيع أي شخص إخراج مسدس أو سكين، حيث لم يستطع عمال الملعب السيطرة على الوضع، بل إن البعض منهم كانوا متواطئين فيما حدث.
هل شعرت بالخوف؟
لا.. لكنني شعرت أن منتخب فرنسا كان مرة أخرى ألعوبة في أيدي الساسة، وكأنهم أرادوا عن طريق المنتخب وضع ضمادة على مشكلة تاريخية خطيرة، وينتظرون من لاعبي كرة القدم أن يكون لهم موقف سلمي ودبلوماسي وأخوي إزاء الجزائر، لكي يكون ذلك قدوة للكثير من الناس وليفهم الجميع أن صفحة الماضي قد طُوِيت.
إذن كنت متحمّسا للعب تلك المباراة في الجزائر؟
بالضّبط، وهذا ما قلته في الصحافة الفرنسية في تلك الفترة، قلت إنه ليس من المشروع إجراء المباراة في فرنسا، وأنّه لو أردنا الإشادة بالتاريخ وأخذ موقف مهيب ووقور، وكان الأجدر التنقل إلى الجزائر.
-كان لك موقف آخر إزاء الانتقادات اللاذعة التي طالت تييري هنري، ما قولك؟
فعلا دافعت عنه، وكان لي انزلاق لفظي لأنني وقعت في فخ، لا أريد ذكر اسم الشخص الذي أوقعني في الفخ لأنه أحسن فعل ذلك وتحصل على ما كان يبحث عنه.
هل قلت فعلا “الأفضل أن تبقى فرنسا تحت الاحتلال الألماني”؟
سأروي لكم ما حدث بالضبط، في تلك الليلة شاركت في عملية جمع تبرعات لفائدة جمعية تُسمى نجمة مارتان، وكان علينا التسابق بالدراجات وكل كيلومتر نقطعه تجني منه الجمعية 50 أورو، طرح لي شخص أسئلة فأجبت عليها وقمت بانزلاق لفظي، حدث هذا أياما بعد أن أعلن تييري هنري للإعلام اعتزاله الكروي، ولما رأيت التغطية المحتشمة التي أولت الصحافة الفرنسية هذا الإعلان، قلت إن هذا جائر في حق هنري، لأنه كان لاعبا بارزا ليس فقط في فرنسا بل حتى على الساحة الدوليّة، لقد حطم أرقاما قياسية، لكن الصحافة لامته على لقطة كروية واحدة، وتناست مشواره الرائع والثري بالألقاب والأرقام، لاموه على لمسه الكرة باليد عندما سجل ضد إيرلندا الهدف الذي أهل فرنسا إلى كأس العالم في ألمانيا، وهذا جور في حقه، لأنه لاعب وُضِع له تمثال في إنجلترا.
-هل هناك رجل سياسي فرنسي وُضِع له تمثال في إنجلترا ؟
الفرنسي الوحيد الذي وُضِع له تمثال في إنجلترا هو تييري هنري، هذا ما يجعل الساسة يخشون الرياضيّين ذوي المستوى العالي، نحن بسطاء ونصل إلى قلوب الناس، ولا نزخرف في الكلام وهذا ما جلب لنا كراهية الساسة، لأنهم يعرفون أن لدينا سلطة على الناس لن تكون لهم مثلها أبدا، نحن لا نتلاعب بمشاعر الناس، لأننا نمنح لهم عواطف صادقة وتلقائيّة، ليس لدينا مستشارين يقولون لنا: يجب أن تحدث الأمور هكذا وليس هكذا، لا شيء يُحضَّر في مباراة لكن الساسة يحضرون كل شيء، ويوجّهون خطابات مخدّرة لتنويم الناس.
-هل هذا الذي جعلك تتعاطف مع هنري؟
من غير المعقول أنّ لاعبا وُضِع له تمثال في إنجلترا وأدّى مشوارا كرويا رائعا لا يحظى اعتزاله إلا بصدى ضئيل في الصحافة، فقلت إن أجدادي حاربوا النازيين، وتم ترحليهم، وقارنت بين فرنسا وألمانيا في المجال الرياضي، حيث لم أخض حتى في التسيير السياسي والاقتصادي لألمانيا التي هي التلميذ المجتهد في أوروبا، فرنسا تحتاج إلى إصلاحات بالداخل بسبب سيطرة النقابات والضغوطات السياسية، لما أجريت المقارنة مع ألمانيا كان ذلك من الجانب الرياضي فقط، قلت إنه في بداية 2000 كانت الكرة الألمانية في الحضيض، فاجتمعت كل الهيئات الكروية من اتحاد ورابطة ورابطات جهوية وأندية، وطرحت كل المشاكل واتفقت كلها على ضرورة إصلاح كرة القدم الألمانية.
-لقد قرروا الاستلهام من النموذج الفرنسي، أليس كذلك؟
بالضبط وخاصة في مجال تكوين اللاعبين، لكن فيما يخص المنشآت الرياضية الألمان متقدمون بكثير عن فرنسا.