الرأي

كيف يبيع الملك محمد السادس ديون رعاياه للأجانب؟

لنبدأ بتبسيط عنوان المقالة حتى يفهمه كل قارئ بلا مصطلحات معقدة. تخيل أنك اقترضت مبلغا من صديق لتبني بيتك أو تجهِّز معيشتك، واتّفقتما على أقساط وفوائد معلومة. ثم مرّت بك ظروف صعبة: ارتفعت الأسعار، وانخفض دخلك، أو أصابتك أزمة صحية أو توقَّف عن العمل، فلم تعد تستطيع السداد في الموعد المحدد. هنا يقف الصديق أمام خيارين: إما أن يقول لك «تفضل، سأسقط عنك الفوائد وأعطيك وقتا أطول لتسدد ما عليك، فلا أريد إرهاقك»، أو يقول لك «لم أعد أستطيع الانتظار، سأبيع حقي لشخص آخر، هو سيأخذ المبلغ منك كيفما يشاء».

هذا بالضبط ما يُقترح أن يحدث في المغرب قريبا، أي قبل نهاية هذه السنة. البنوك التي أقرضت الرعايا المغاربة، وبعد أن تراكمت عليها ملايين الملفات المتعثرة وعجزت عن تحصيل أموالها بسرعة، وجدت طريقا للخروج من أزمتها: تبيع هذه الديون لشركات أجنبية متخصصة تُعرف باسم «شركات شراء الديون المتعثرة». تشتري هذه الشركات الدين بثمن بخس، ربما نصف قيمته أو أقل، ثم تصبح هي الدائن الجديد بدلا من البنك، وتقوم بمطالبة المدين بالمبلغ كاملا، بما في ذلك الفوائد والغرامات والمصاريف الجديدة، لتستردَّ ما دفعته وتحقق أرباحا طائلة.

الرعية المغربي لا يُسأل، ولا يُستشار، ولا يُعطى خيارا. يجد نفسه فجأة أمام جهة غريبة لا يعرفها ولا تربطه بها أي علاقة سابقة، هدفها الوحيد استرداد أكبر قدر ممكن من المال بأسرع وقت، لا تهمها ظروفه الصعبة ولا في مستقبله. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: الدين لم يُلغَ، والالتزام لم يُخفَّف، بل تغيَّر الدائن فقط ليصبح أشدّ وطأة وأقل رحمة.

قبل أن نحكم، لنسأل: ما الذي دفع الملك محمد السادس إلى هذا الخيار؟ إنه لم يفعله من فراغ، بل نتيجة أزمة مالية حقيقية تراكمت سنوات طويلة، فحتى منتصف عام 2026، بلغ حجم الديون المتعثرة في المملكة المغربية ما يزيد عن 104 مليار درهم، أي ما يقارب 11.3 مليار دولار، وتصل نسبة هذه الديون إلى نحو 9% من إجمالي القروض الممنوحة من البنوك. وهذا الرقم الكبير يمثل عبئا ثقيلا يثقل كاهل النظام المالي بأكمله: أموال البنوك مجمَّدة، لا تستطيع إعادة إقراضها وتدويرها في الأسواق، وتتراكم الملفات في المحاكم سنوات وربما عقودا، وتتكبد البنوك تكاليف باهظة على المحامين والإجراءات من دون أن تسترد شيئا يُذكر.

منطق الملك محمد السادس يقول: «لو بقيت الديون بهذا الحجم مجمَّدة، سوف تضعف بنوك الملك وتتوقف عن منح قروض جديدة، فيتوقف النشاط الاقتصادي وتعمّ الأزمة. والحل هو أن يفتح الملك ما يُسمّى السوق الثانوي للديون، نسمح للبنوك ببيع ديونها لمن يشتريها، فتسترد  سيولتها فورا، وتتخلص من عبء المطالبة والملاحقة، وتُعاد انطلاقة الاقتصاد».

ولكن أين يكمن الخلل في هذا المنطق؟ يكمن في شيء واحد خطير: عندما اتُّخذ القرار، لم يُوضع في الحسبان مصلحة الرعية المُدين، بل وُضعت مصلحة البنك في المرتبة الأولى بلا منازع. وبدلا من أن يقول الملك محمد السادس: «لنُعالج المشكلة معا: نُعيد جدولة الديون، ونُخفِّف الفوائد، ونُمدِّد الآجال، ونتقاسم الخسارة بين البنك والرعية والخزينة»، قال الملك عكس ذلك تماما: «البنك يجب أن يخرج من أزمته فورا وبأكبر قدر ممكن من أمواله، أما الرعية فليذهب ويُفاوض من اشترى دينه بنفسه».

لم يُشترط في القانون أيُّ نص يُلزم المشتري الجديد بتخفيف الدين أو إسقاط الفوائد. لم يُشترط أن تظل المطالبة ضمن حدود الوطن وتحت رقابة مباشرة. لم يُشترط أن تبقى بيانات الرعايا محمية ولا تُنقل إلى جهات أجنبية. كل هذه الضمانات تُركت لـ«حسن نية» المشتري و«القواعد العامة» التي لم تُجرَّب يوما مع شركات أجنبية هدفها الربح. وهكذا اختُصر الحل في عبارة موجعة: نحمي البنك.. وسلّموا الرعية لمن يطالبه.

والآن لنعبر الحدود إلى الشرق، حيث تجاوبت الجزائر مع الأزمة ذاتها بنهج مختلف تماما، نهج يقوم على فكرة واحدة بسيطة: «المواطن جزء من الوطن، فإذا تعثّر نعالج معه ولا نبيعه».  لم تلجأ الجزائر يوما منذ استقلالها وحتى اليوم إلى بيع ديون مواطنيها لمؤسسات أجنبية. لم تفتح أسواقا لشركات تحصيل أجنبية تشتري ذمم المواطنين وتطالبهم من الخارج، بل اتخذت قرارات سيادية جريئة تقول بصراحة: «من تعثّر نتيجة ظروف عامة أصابت الجميع فالوطن يخفّف عنه».

في قانون المالية لعام 2026، اتخذت الجزائر خطوة لم يسبق لها مثيل: ألغت كليا جميع الديون والغرامات والفوائد المتراكمة قبل عام 2011، وخفّضت بنسبة 70% ما تراكم بين عامي 2012 و2025، مع إسقاط كامل للغرامات وفوائد التأخير. بمعنى أوضح: المواطن الذي تعثّر وجد الدولة تقف بجانبه وتقول له: «الفوائد والغرامات التي ثقلت عليك طوال سنوات أسقطناها، ادفع فقط ما اقترضته فعلا، وبوقت كافٍ تختاره».

لم تخرج هذه الديون إلى الخارج، لم تُنقل بيانات المواطنين لشركات أجنبية، لم يُصبح المواطن مُطالَبا من جهة لا يعرفها، بل تحمّلت الخزينة العامة والبنوك المحلية جزءا من الخسارة، واعتُبرت هذه التكلفة ثمن الحفاظ على تماسك المجتمع وكرامة المواطن. المنطق هنا معكوس تماما: البنوك جزء من الوطن، فعليها أن تتحمّل مع المواطن كلفة الظروف الصعبة، وليس أن يتحمّلها المواطن وحيدا.

هنا تتضح الصورة بكل جلاء، وينكشف الفرق بين نهجين لا يمكن أن يلتقيا:  في النهج الأول

-الذي يُقام في المغرب- يقول الملك بوضوح: «مصلحة البنوك والمال العام تسبق مصلحة المواطن. إذا تعثّر المواطن فليجد من يطالبه، ولو كان أجنبيا، ولو كانت شروطه قاسية. المهم أن تخرج البنوك من أزمتها سريعا». الرعية هنا يُعامل وكأنه عبء يجب التخلص منه لا كأمانة يجب حمايتها. يُنقل ملفه، تُباع ذمته المالية، وتُفتح الأبواب أمام شركات أجنبية قد لا تراعي ظروفه ولا عاداته ولا قوانين بلده، وتصبح هي صاحبة الكلمة العليا في حياته المالية.

أما في الجزائر فيقول الرئيس عبد المجيد تبون: «المواطن هو الوطن، فإذا ضاع المواطن ضاع الوطن، لذلك نعالج مشاكله داخل الوطن، بأموال الوطن، وبشروط يرضاها الوطن. لا نسمح لأحد أن يطالبه من الخارج، ولا نسمح أن تُباع ذمم أبنائنا في أسواق المال الأجنبية».      هنا يُفهم معنى الكرامة والسيادة: أن سيادة الوطن لا تُقاس فقط بحدود مرسومة على الخريطة، بل بمدى حمايته لأبنائه من أن يُطالبهم أجانب داخل حدودهم. وليس أدلّ على الفرق من مقارنة بسيطة: مواطن تعثّر في الجزائر تُخفّف عنه ديونه وتُسقط عنه الغرامات ويبقى في كنف دولته. ورعية تعثّر في المغرب يُباع دينه لشركة أجنبية وتُضاف عليه التكاليف والمصاريف ويصبح وحيدا أمام من اشترى حقه في مطالبته. الأول يرى في دولته حامية، والثاني لا يرى فيها إلا بائعة.

وهكذا يتضح الفرق الكبير: بين مملكة ترى أن وظيفتها حماية المال والأسواق أولا فتُباع الرعية لمن يدفع، وجمهورية ترى أن وظيفتها حماية الناس أولا فتُحمى المواطن ولا يباع. بين رأسمالية تضع الرعية في قائمة الأصول التي تُباع وتُشترى، وجمهورية اجتماعية تضع المواطن في صدارة الأولويات لا يُباع ولا يُسلم ولا يُهان.

عندما اتُّخذ القرار، لم يُوضع في الحسبان مصلحة الرعية المُدين، بل وُضعت مصلحة البنك في المرتبة الأولى بلا منازع. وبدلا من أن يقول الملك محمد السادس: «لنُعالج المشكلة معا: نُعيد جدولة الديون، ونُخفِّف الفوائد، ونُمدِّد الآجال، ونتقاسم الخسارة بين البنك والرعية والخزينة»، قال الملك عكس ذلك تماما: «البنك يجب أن يخرج من أزمته فورا وبأكبر قدر ممكن من أمواله، أما الرعية فليذهب ويُفاوض من اشترى دينه بنفسه».

مقالات ذات صلة