-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كيف يمكن إعادة اختراع السلام؟

بقلم: د. عثمان عبد اللوش
  • 438
  • 0
كيف يمكن إعادة اختراع السلام؟

اليوم لبنان، وغزة، والضفة الغربية، والقدس، وأوكرانيا، والصحراء الغربية، وليبيا، والسودان، ودول الساحل، والقرن الإفريقي، وسوريا، وأفغانستان، والعراق، ويوغسلافيا، والصومال… يبدو أن الحرب أصبحت مرة أخرى وسيلة عمل مميزة على حساب السياسة والدبلوماسية عند أصحاب الحل والربط على مستوى العالم، وأقصد هنا كلًّا من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية وعلى رأسها فرنسا. ولكن التاريخ لا يسمح بالعودة أبدا إلى الوراء، فاليوم أصبح التاريخ يُقرأ مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، فهذه الوسائل الرقمية الجديدة أخذت مكان الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية، فمثلا حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس موثقة بالفيديوات (صوتا وصورة) وعلى المباشر، ومع هذا تجد الإعلام الغربي ومعه ساسته يكيلون بمكيالين، فحروب اليوم بعيدة كل البعد عن حروب الأمس.
هذه الحروب تكون أحيانا بين دولة ضد دولة أخرى، وفي بعض الحالات بين دولة مستعمِرة ضد شعب مستعمَر ثار ضد ذلك المستعمِر، مثلما هو الحال في الشرق الأوسط بين الكيان الصهيوني والشعب الفلسطيني، وأيضا في شمال غرب إفريقيا بين الاحتلال المغربي على الشعب الصحراء الغربية.
والعولمة، وتعقيد الترابطات الاقتصادية، وتزايد الخصوصية الاجتماعية للعلاقات الدولية.. كلها عناصر تغير الأمور تماما وتبعدنا عن النموذج التقليدي القديم الذي أصبح اليوم غير صالح، ويجب تغييره وليس إصلاحه، واقصد هنا نموذج الأمم المتحدة المنبثق بعد الحرب العالمية الثانية.
والعنصر الثاني الذي يجب ذكره هنا، هو أنه لم يحدث قطّ انقطاع في سلسلة الصراعات على المستوى العالمي، كما يتضح من هذا الرقم المخيف: 36 مليون قتيل خلال الحرب الباردة.
وبهذا المعنى، أثبتت الأمم المتحدة عجزها التام عن التصرف والعمل بأريحية. وصيغة «الرجوع إلى الحرب» مرتبطة جزئيا بمشاعر الحرب التي أثارها الصراع في أوكرانيا. ومع ذلك، في التسعينيات من القرن الماضي، شهدت أوروبا بالفعل حربا في البلقان، في قلب أوروبا، ولكن لم يتحرك الغرب، لأن تلك الدولة والتي جرى تفكيكها كانت بمثابة شوكة في عين الحلف الأطلسي والذي يضم القارة العجوز أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، تلك الدولة كانت تسمى «يوغسلافيا»، والتي جرى تفكيكها وتقسيمها إلى دويلات. يوغسلافيا التي أدّت دورا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ قام مؤسسها الأول الرئيس تيتو مع كل الوزير الأول الهندي نهرو، والرئيس المصري عبد الناصر بتأسيس “منظمة دول عدم الانحياز” بعد مؤتمر باندونغ عام 1955.
والعنصر الثالث هو أننا نُصرّ على التعامل مع هذه الصراعات ذات الطابع الجديد بعقلية وتصرفات وتفكير قديم، إذ أصبح اليوم هذا المنهج غير صالح وغير مفيد، بل يعقّد الأمور مع الوقت.
منذ القدم، تجد دائما قادة الدول التي تسمى “العظمى” ومستشاريهم يفكرون بأن استعمال القوة هو المسلك الوحيد للنجاح، إذ كان يشكّل منهج الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بريطانيا وفرنسا، وقد بدأ هذا الاتجاه غير المسبوق خلال حروب إنهاء الاستعمار. ومع ذلك، لا تزال العديد من الدول تعتمد على تصعيد القوة لإخماد الصراع.
وهو موقف رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي اختار هذا الطريق ليس لوحده بل كل خطة يقوم بها الكيان الصهيوني تكون بمباركة الولايات المتحدة الأمريكية، والدليل أنه بعد “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، كانت الدول الغربية جميعا متضامنة مع الكيان الصهيوني، ولولا هذا التضامن لما استطاع الرد بهذه الوحشية، فالكل يعرف بأن جيش الكيان الصهيوني لا يستطيع خوض حرب طويلة المدى، بل هو مدرّب على الحروب الخاطفة التي لا تدوم سوى أيام معدودات.
وطوال ستة وسبعين عاما، لم تتغلب أدوات القوة التي يستعملها الكيان الصهيوني على مقاومة الشعب الفلسطيني أو على أي شكل من أشكال التظاهر العنيف المنبثق عن مجتمع مهيمن. ومع ذلك، في كل مرحلة، يستجيب بمعدات عسكرية جديدة. باستثناء أن «المعايير المزدوجة» لم تبدو قط ساحقة. فكيف نعطي مضمونا لإرادة مشتركة للسلام؟ وهنا تفشل تعددية الأطراف لسبب بسيط جدا: الصيغة التي شكلتها في شكل عصبة الأمم في فرساي، ثم في شكل الأمم المتحدة في عام 1945 بنيويورك، كانت تثق باستمرار في نادي الأقوياء لحل كل النزاعات بل كل شيء.
ولا يزال مجلس الأمن يستند إلى هذه الفرضية في مواجهة التهديدات للسلام، لا يمكن إيجاد حل سوى بالتشاور بين الأطراف الرئيسية. ومع ذلك، فهم لا يتشاورون حقًّا وهم الآن عاجزون حتى عن الكلام والحوار بينهم. ولولا العمل الكبير الذي تقوم به الجزائر في مجلس الأمن والديناميكية التي أحدثتها في الدفاع عن حقوق المستضعفين من فلسطين إلى الصحراء الغربية واليوم لبنان، لما تحرَّك مجلس الأمن.
وتُثبت الولايات المتحدة ذلك في معاملتها مع الكيان الصهيوني؛ فقد قام أنتوني بلينكين بجولته العاشرة في الشرق الأوسط منذ “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 ؛ ولم يستطع الحصول على أي شيء. لذا فإن القدرة الوحيدة المتبقية هي خريطة الحصار: ومن ثمّة، فإن كلّا من الولايات المتحدة وروسيا تشلان مجلس الأمن تماما.
هناك حاجة إلى تغييرات، لكن ميثاق الأمم المتحدة لا يمكن تغييره بين عشية وضحاها. يخاطر النهج باستخدام حق النقض أو الفيتو، من قبل أولئك الذين يستفيدون منه. لذلك يجب أن ننظر في اتجاهين. الأول – وهو واحد من القلة التي تجعلنا متفائلين- يتعلق بالمؤسسات الاجتماعية للأمم المتحدة. وإذا لم ينجح مجلس الأمن، فإن «التعددية الاجتماعية» تتصرف تماما مثل المفوض السامي لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، التي ترصد جميعها الاختلالات الاجتماعية العالمية الرئيسية وتعالجها بفعالية.

اليوم، لم تنتصر أوروبا ولا الولايات المتحدة في كل الحروب التي خاضتها، وهذا له تفسيراته؛ الحرب اليوم لها تكلفة إضافية، مع التكنولوجيا العسكرية أكثر وأكثر تطورا، فمثلا الجيوش الفرنسية اليوم لا تستطيع خوض حرب على طول 80 كلم على حدودها إلا لمدة أيام فقط. وهنا نذكّر القراء، بأنه أثناء الحرب العالمية الثانية، سقطت باريس ومعها فرنسا خلال أسبوعين فقط أمام الجيوش الألمانية والتي كان يقود ألمانيا وقتها أدولف هتلر.

لقد تم القضاء على الجدري في إفريقيا من خلال منظمة الصحة العالمية. وبفضل منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، بلغ الجوع في العالم مستوى لا يطاق ولكنه مستقر منذ 50 عاما تقريبا، برغم تضاعُف عدد سكان العالم.
من المفهوم من خلال تدخل هذه المؤسسات أن العمل داخل المجتمعات هو بالفعل وسيلة فعالة للتخفيف من نطاق الحروب. وكلما زاد ضمان الأمن الغذائي والأمن الاقتصادي والأمن الصحي والأمن المناخي على كوكب الأرض، قلّ خطر نشوب صراعات جديدة.
دعونا لا نهمل أهمية صانعي السلام. اليوم: فالمنظمات غير الحكومية، الأفراد، كل واحد منا. من خلال حالة السلام هذه، وبهذه القدرة على تجاوز عدم قيام الحرب، سنجد الإنسانية تتعايش. وفي عصر العولمة، لا يمكن أن يكون هناك سلام من دون احترام واعتراف متبادل بمختلف سكان الكوكب.
ومن ثمّة، فإن تعدّدية الأطراف ليست منطقية فحسب، بل إنها تظل الطريق الإلزامي الوحيد لأي نظام دولي في عصر العولمة. لا يمكنك فعل أي شيء في حياتك اليومية ما لم تكن هناك مؤسسات دولية تساعدك على الاستهلاك والتواصل والسفر والتجارة وما إلى ذلك.
والعولمة تعني بالضرورة إضفاء الطابع المؤسسي في هذا العالم. وقد أدى إنشاء الدول الوطنية إلى إنشاء مؤسسات وطنية في أعقابه. مع العولمة، لم يعد من الممكن قطع المؤسسات الدولية. لكن يجب علينا الانفصال عن مخطط سياسي مشترك بين الدول جرى تصوره في 1945 تخليدا لذكرى ما فعلناه في القرن التاسع عشر. لم يعد يصلح اليوم وعلينا تغيير البرنامج.
ولكن كيف لنا أن نعطي معنى لهذا «النظام الدولي الجديد» الذي تتحدث عنه الجزائر منذ وقت طويل وتحديدا منذ عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، وخاصة أنها اليوم هي عضو غير دائم في مجلس الأمن؟
باختصار، ضعف التاريخ الحديث والمعاصر في أوروبا هو أنهم حددوا وعرفوا الحرب وليس السلام. لذلك تعتبر أوروبا السلام حالة غير الحرب. ولكن لا يزال هناك عنصر أكثر خطورة، وهو مركزية الحرب في تاريخ أوروبا ما بعد العصور الوسطى، والذي يرجع في الحقيقة إلى أن الدولة وقتها كانت بحاجة إلى الحرب حتى تكون. وهو في نهاية المطاف موردها الرئيسي للسيطرة على مجتمعها، وتعبئة مواطنيها، والحصول على ضرائب جديدة، وتغذية سلطتها وشرعيتها.
عندما تعلن دولة ما الحرب على دولة أخرى، كان لديها أمل في الفوز بها وأن تكون أقوى. اليوم، لم تنتصر أوروبا ولا الولايات المتحدة في كل الحروب التي خاضتها، ولم يعودوا ينتصرون فيها، وهذا عنصر الهزيمة له تفسيراته؛ الحرب اليوم لها تكلفة إضافية، مع التكنولوجيا العسكرية أكثر وأكثر تطورا، فمثلا الجيوش الفرنسية اليوم لا تستطيع خوض حرب على طول 80 كلم على حدودها إلا لمدة أيام فقط. وهنا نذكّر القراء، بأنه أثناء الحرب العالمية الثانية، سقطت باريس ومعها فرنسا خلال أسبوعين فقط أمام الجيوش الألمانية والتي كان يقود ألمانيا وقتها أدولف هتلر. ولكن العقلية والعادات موجودة، والرؤساء أمثال ماكرون في دول الساحل، وبوتين في أوكرانيا، ونتنياهو في فلسطين المحتلة، ومحمد الخامس في الصحراء الغربية، وبايدن عبر العالم.
ويجب اغتنام فرصة العولمة لإعادة اختراع السلام. وستكون العولمة هي ما نفعله نحن بها: سواء كانت سيئة جدا أو مفيدة. وأعتقد أنه يمكن أن تكون مفيدة، إذا كان البشر داعمين لها، وقد رأينا ذلك من خلال المظاهرات المليونية عبر العالم في الشرق والغرب أيضا وخاصة عبر الجامعات تضامنا مع غزة وضد الكيان الصهيوني. لأننا نعيش كلنا على هذه الأرض وليس لنا مكان آخر، وعليه أن نصل إلى نظام دولي جديد يأخذ بعين الاعتبار حقوق كل الشعوب، وتبنى العلاقات على الاحترام المتبادل وعلى السلم والإنسانية وخاصة التضامن فيما بيننا، وأن لا تكون هناك دول تأمر دولا أخرى بالانصياع لها كما هو الحال اليوم. فإذا كنت متضامنا معك، فلن تكون وحدك الفائز، بل سأفوز أنا أيضًا معك.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!