لا دولة لا أمة
المتأمل في القرآن الكريم، المتدّبر في آياته يلفت نظرَه أمرٌ هام هو أنه لم تَرد فيه كلمة “دولة” ولو مرّة واحدة، بينما وردت فيه كلمة “أمة” عدة مرات، ففُهم أن “الدولة” هياكل، وأن الأمة روح، والدولة تتغير وتتبدل، والأمة لا تتحول إلا بصعوبة وعلى مدى زماني طويل، كما أنها قابلة للانبعاث بعد اضمحلالها إن توافرت ظروف.. وها نحن نرى الجزائر مثلا قد عرفت عبر تاريخها عدة دُول، ولكنها لم تعرف منذ أن منّ الله عليها وهداها إلى الإسلام إلا “أمة واحدة”، دينها الإسلام، ولسانها الجامع هو العربية – وإن تعدّدت لهجاتُها.
وابتلانا الله – عز وجل – بأخبث طاعون، وهو الاستدمار الفرنسي الذي قضى على الدولة الجزائرية في 5/7/1830، ولما عَلم أنّ بعث هذه الدولة ممكن إن بقيت مقوّمات الأمة الجزائرية، راغ على هذه المقوّمات ليمزقها كل ممزق، وليجعلها أثرا بعد عين..
وبلغ حمق فرنسا وحقدها الصليبي أوجَه في 1930 بما سمّته “الاحتفال المئوي”، حيث أعلن سفهاؤها “العالمون” أنهم لا يحتفلون بمرور قرن على احتلال الجزائر وزوال دولتها، ولكنهم يحتفلون بتشييع جنازة الإسلام، الذي لن تقوم له قائمة بعد الآن في الجزائر، كما توهّموا وزعموا.
وتحرّك أيقاظ الضمائر، أحياء الشّواعر من أبناء الجزائر، وأعلنوا على لسان رمزهم: “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب”، وانتشر الشعار الوطني الخاصّ بالشعب الجزائري وهو: “الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا”، أما شعار “الاستقلال” الفارغ من المضمون فهو كما قال الإمام ابن باديس: “إن البهيمة تحنّ إلى الاستقلال”.. وجاءت الجولة الأخيرة بين حق الجزائر وباطل فرنسا، فانتصر الحق، وزهق الباطل، وخرج الشعب الجزائري ليهنّئ أولى الناس بالتهنئة: “أمحمد مبروك عليك، الجزائر رجعت ليك”.. قال أحمد حسن الزيات مخاطبا كمال أتاتورك: “أحييت دولة، وأمتّ أمة”. (وحي الرسالة ج 1 ص 202).
وكنا ننتظر منذ 1962 أن نحيي أمتنا الجزائرية بإحياء مقوّماتها من دين، ولسان، وتاريخ، وأن نعيد دولتنا بإقامة هياكلها على أسس العدل والمساواة والكرامة…فإذا بـ(…) لم يقيموا دولة، والدليل على ذلك أن أحدهم منذ مدة قصيرة “احتل” محكمة في عاصمة إحدى الولايات، لأن أحد أقاربه قُبض عليه… ولم يكتفوا بعدم إقامة الدولة، بل سلَّطوا معاول الهدم على “الأمة” الجزائرية، بتهديم أسرتها ممن “لا دار، لادوار” لهم، وبالسخرية من كتّابها، وسبّ دينها على لسان أكابر (….) وبإخراج تلاميذها لينادوا: “التاريخ إلى المزبلة”، وبإسناد كثير من أمورها إلى غير المؤمنين بها كـ”أمة”، ولا المؤمنين بها كـ”دولة”.. ها هم يعيدون الجزائر إلى “حجر” عدوها – فرنسا – وعما قريب قد يعتذرون إليها.