-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا كرامة لعربي في وطنه!

فيصل القاسم
  • 8910
  • 21
لا كرامة لعربي في وطنه!

اشتكى لي قبل مدة عالم عربي متخصص في الخلايا الجذعية من الإهمال الذي يلاقيه في بلده، بالرغم من أن اختصاصه نادر جداً، وتتهافت عليه كبريات مراكز البحوث الطبية والعلمية في العالم. لقد بدا صاحبنا محبطاً جداً. فقد طرق العديد من الأبواب لعل أحد كبار المسؤولين يلتفت إليه ويأمر بفتح مركز للبحوث الجذعية، لكن لا حياة لمن تنادي، فقد بدأ يفكر أخونا العالم بالعودة إلى الولايات المتحدة، حيث تخصص بعدما سدوا كل الأبواب في وجهه، ناهيك عن أن يكرموه.

طبعاً لم أصب بالدهشة ولا بالتعجب عندما سمعت شكوى الأخ العالم، لا بل إنني كنت سأتعجب لو سمع له أحد في حكومة بلده وأمر الجهات المعنية بتبنّيه وتكريمه. فالقاعدة في بلادنا العربية إهمال وازدراء المبدعين في كل المجالات، والاهتمام والتكريم هو الاستثناء. 

وذات يوم سمعت فنانة عربية رائعة فعلاً وهي تشتكي من أنها حصلت على العديد من الجوائز والتكريم في الخارج، ولم تحظ بأي اهتمام أو حتى التفاتة في بلدها الأصلي. قالت ذلك بحرقة كبيرة، فمن الصعب والمؤلم جداً أن يصبح المرء أشهر من نار على علم في كل بقاع الدنيا، ويبقى غير معترف به في مسقط رأسه، على حد شكوى الفنانة أعلاه.

وما ينطبق على العالم والفنانة أعلاه يكاد ينسحب على كل المبدعين في العالم العربي، إلا ما رحم ربي. فلا كرامة للمتفوقين أو المبدعين في هذا العالم العربي البائس الذي لا يهم معظم حكامه سوى تأمين الأقربين سياسياً ومادياً، ولتذهب الأوطان إلى الجحيم، بدليل أن بعض البلدان العربية تقترب من حافة الهاوية سياسياً واقتصادياً ومعيشياً، ولا هم لحكامها سوى تأمين الحكم لأولادهم بعد مماتهم. لقد تم اختزال الأوطان العربية في كثير من الأحيان في مصالح طغمة صغيرة جداً. أما الشعوب فلها الله.

وكنت ذات يوم سألت مفكراً عربياً مطلعاً عن إهمال الأنظمة العربية للطاقات الخلاقة والمبدعين، فضحك بأعلى صوته ساخراً من سؤالي، فقلت له: وهل سألتك سؤالاً غبياً لا سمح الله، فأجاب: طبعاً لا، فالسؤال وجيه جداً، لكن كان أولى بك أن تعرف الأسباب، فهي واضحة للقاصي والداني. لا شك أنني كنت أعرف الأسباب، لكنني لم أكن متأكداً من أن معظم أولياء الأمور في بلادنا ليسوا أناساً وطنيين، وأن آخر ما يهمهم الوطن والمواطنون. أما الآن فلم يعد هناك أي مجال للشك بأن معظم الطبقات السياسية الحاكمة في بلادنا لا تعمل بعقليات وطنية، بل بعقليات فئوية ضيقة. أي أنها ليست مهتمة أبداً بالأوطان وتنميتها، بل تستغل الأوطان والمواطنين لمصلحتها السياسية والتجارية لا أكثر ولا أقل، أو بالأحرى فإن الأوطان بالنسبة لها هي مجرد مزارع أو عزب، أو أبقار حلوبة، بدليل أن بعض الأنظمة تشفط جزءاً كبيراً من الثروة الوطنية، ومن يسرق ثروات الأوطان لن يهتم بأي حال من الأحوال بعالم موهوب أو فنانة كبيرة أو طبيب بارز أو مفكر مبدع. إن من ينهب بلده لا يمكن أن يكون وطنياً.

لو كانت أنظمتنا الحاكمة منتخبة ديموقراطياً من قبل الشعوب لكان الوضع مختلفاً تماماً، ولكانت فعلاً سهرت على مصالح الشعوب والأوطان وتنميتها لأن من واجب الحاكم المنتخب أن يخدم بلاده لا أن تخدمه كما هو الحال مع الحكام المستبدين. فالمنصب في النظام الديموقراطي تكليف لا تشريف. أما حكامنا فهم يتعاملون مع الحكم كغنيمة أكثر منه كمهمة وطنية كما هو الحال بالنسبة للحكام المنتخبين. فالوطن والشعب يأتي في ذيل اهتمامات الحاكم العربي إلا ما رحم ربي. فبعض الرؤساء العرب يهمهم تأمين انتقال السلطة لأبنائهم أكثر ألف مرة من النهوض بالبلاد اقتصادياً وعلمياً. فبينما تعاني بعض البلدان العربية هذه الأيام من القلاقل والحروب الأهلية والانقسامات الخطيرة والتدهور المعيشي ينشغل حكامها في توريث السلطة. وفي ذلك طبعاً الكثير من الغباء السياسي، فالحاكم الذي يهمّه ابنه يجب أن يورثه بلداً متعافياً اقتصادياً واجتماعياً ومستقراً سياسياً، لا بلداً يقبع على صفيح ساخن قابل للانفجار والتشظي في أي لحظة. لكن، على ما يبدو، ليس المهم أن يستلم الأبناء من آبائهم أوطاناً مستقرة، بل أية أوطان كانت طالما أن الهدف من حكمها ليس تنميتها والنهوض بها، بل استغلالها والمتاجرة بآلامها ومعاناتها.

وما ينطبق على الزعماء ينسحب على الطواقم الحاكمة تحتهم، فإذا كان رب البيت للطبل ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص. لماذا تتوقع من وزير في حكومة عربية أن يهتم بعالم مبدع أو كاتب عظيم إذا كان سيده لا يهتم إلا بإبقاء زمام السلطة بين يديه وحلبها إلى آخر قطرة. إن القيادات الوسطى في الأنظمة العربية لا تحيد قيد أنملة عن الخط الذي اختطه علية القوم، ألا وهو إيداع أكبر كم من الأموال في البنوك الأجنبية. فلو أفصحت البنوك السويسرية عن مدخرات المسؤولين والجنرالات والوزراء ورجال الأمن العرب لوجدنا أنها بالمليارات. والخطير في الأمر أن السلطة والمال يجتمعان الآن في أيدي العديد من الأنظمة الحاكمة وهو ما لم تشهده العهود السابقة أبداً. وفي الوقت الذي تحتكر فيه بعض الأنظمة العربية الحكم والثروة نجد أن الأنظمة الديموقراطية تصر على أن يقوم أي شخص سيتبوأ أبسط المناصب بالإعلان عن ثروته قبل إسناد الوظيفة إليه وذلك منعاً للاستغلال الوظيفي.

 ومن سلبت عقله المليارات والحسابات والمشاريع التجارية لن ينسى فقط المبدعين بل سينسى الأوطان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
21
  • omar

    pour le commentaire 6 : faysal alkassem fait son travail comme journaliste et tres bien , . il faut que chacun de nous fait son travail et inchallah la situation de nos pays va changer

  • بدون اسم

    يا 11 يا عادل اكشف عن جوازك حتى تلتهمك البوليس

  • الحاج كتو

    شكرا خويا بلقاسم

  • نسرين

    السلام عليكم كما تفصلتم و قلتم من سلبت عقله المليارات و الحسابات و المشاريع التجارية لن ينسى فقط المبدعين بل سينسى الاوطان لالالالالالالالالالالالالا و الف لالالالالالالالالالا بل سينسى اهله و نفسه و محاسبتها قبل لقائه ربه اللذي سوف يحاسبه و انما لا حياة لمن تنادي بارك الله فيكم.

  • بلحاج جلول

    هذه سياسة الدخلاء و على الشعوب العربية ان تستنهض الهمم ولا عذر لها في اي حال من الاحوال قال الله تعالى عن فرعون..فاستخف قومه فاطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين..

  • KHALED EL MA3ROOF

    makakalatoka to3djiboni katira arjo laka el taoifik oi el najah fi michoirika el mihaniy ant oi kol el dakatira fi el chorook bidon ma nansa& djml amn

  • بدون اسم

    السلام عليكم

    الخلاصة

    أنا لا أدعو
    إلى غير السراط المستقيم…
    أنا لا أهجو
    سوى كل عُتلٍ و زنيم…
    و أنا أرفض أن
    تصبح أرض الله غابة
    و أرى فيها العصابة
    تتمطى وسط جنات النعيم
    و ضعاف الخلق في قعر الجحيم…
    هكذا أبدع فنّي
    غير أني
    كلما أطلقت حرفاً
    أطلق الوالي كلابه
    آه لو لم يحفظ الله كتابه
    لتولته الرقابة
    و محت كلّ كلامٍ
    يغضب الوالي الرجيم…
    و لأمسى مجمل الذكر الحكيم…
    خمسُ كلماتٍ
    كما يسمح قانون الكتابة
    هي:
    (قرآن كريم..
    صدق الله العظيم)

    شكرا الاخ قاسم على المقال و شكرا الشروق على النشر
    و تقبل الله صيام وقيام جميع المسلمين و المسلمات

  • صقر

    لقد استخف بنا حكامنا فاتبعناهم، وهذا ما فعل فرعون بقومه كما ورد في القرآن الكريم، لقد أُفرغ كل شيء من محتواه، حتى صار المواطن يلهث وراء لقمة العيش ولا يبحث عن حياة أفضل، الناس منشغلون بتوافه الأمور، وهم يتفرغون للحياة الطيبة والعز الدائم لهم ولأولادهم وأحفادهم بل وسلالتهم الآتية، وخلاصة القول أن المجتمعات الهزيلة لا تنجب مصلحين في الأرض بل تنتج مصاصي دماء، شعارهم الفساد ثم الفساد والبقاء للأقوى.

  • الشاوي

    لا يغير الله ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم.......
    كما تكونوا يولا عليكم.....

  • غريبة الديار

    اهمال الانظمة العربية للطاقات الخلاقة والمبدعة ليس وليد الساعة بل انه منذ القدم لان الحاكم العربي بطبعه يحب التملك ويعشق الاستبداد فلولا الخوف من الغرب لتركت الشعوب العربية باسرها امية وجاهلة حتى لا تطالب لا بالحق ولا بالباطل وحتى تبقى دائما في درجة العبيد ........ والدليل ان هناك ملوك لا زالت لحد اليوم تطلب من شعوبها ان تعبدها قبل الله احيانا ...... يا دكتور الحاكم العربي يفتخر بعلمائه الا اذا اصبحو مشهورين عند الغريب اما ان يكون في بيته عالما ومفكر لا لان في وجوده خطر والحاكم لا يحب ان يرى شخص اكبر منه علما فهو يكره بان يذكره احد بالنقص الذي هو فيه فيفضل وبكل الطرق ان يغلق في وجهه كل الابواب ليس خوفا من منصبه لكن الخوف من تمرد الشعوب عليه والشيء الذي يحير المجنون قبل العاقل لما حكامنا يشجعون المغني ويقدرونه اكثر من تشجيعهم لشخص يخدم الامة والبلاد فاصبحنا لا نعرف دولة ما الا من خلال فنانيها وخاصة المغنيين وكاننا امة لم يبقى لها من هموم الدنيا شيء فما اكثر مهرجاتنا وسهراتنا الليلية فحتى اطفالنا يا صاحبي لا يعرفون عالماعربيا واحد بقدر ما يعرفون اسماء المغنيين العرب وما اكثرهم فكيف لا يهاجر المبدع الى الغرب و هو من قتل نفسه في الابحاث والتجارب حتى يخدم البلد والعباد وفي الاخير لا يعيره اي احد اهمية بينما يرى بالمقابل ان هناك مغني ما لا يحمل في طياته الا شهادة الميلاد ولا يعرف الا تخريب العباد تجد ه معروف وكل الاضواء باتجاهه والملايير تصرف من اجل مهرجناته وحفلاته .................... وسنبقى هكذا حتى يرث الله الارض لان العيب ليس في حكامنا العيب فينا فنحن الشعوب العربية هي من تسكت على الظلم وتعيش في الظلام فكيف بالله عليك يا سيدي نتعلم معنى الكرامة ونحن لا نعرف حتى معنى غزت النفس ......فارقصي ايتها الشعوب العربية على ويلاتك واتركي الغرب يستغل علمائك ومفكريك..... فذنب الشعوب العربية في رقبة حكامها فلن تتوب حتى يروب الماء في يوم تشرق فيه الشمس من الغروب........

  • عادل

    إقيم في بلد ديموقراطي أحس فيه أكثر إحتراما كأجنبي من إبن بلد في بلدي

  • حسن ح أ

    شكرا جزيلا أخانا الدكتور فيصل على مقالك الرائع الذي كشفت فيه عن جرح ماله من إيلام إلا بقوة من الشعب و و العلماء و المفكرين... و عذرا إليك ... لا بالفنانة التي سقت مثالا عن حالها البائس و الذي لن يضيف إلى الأمة الإسلامية شيئا بل ضياعا أكبر.
    هاته المرة لم تحسن المقارنة كالمرات السابقة بل قارنت بين طبيب يريد أن يطير بأوطانه إلى العلا و بفنانة لن ترقى لشيء إلا أن تكون إحدى مريضاته؟؟؟ 

  • حكيم

    نعيب زماننا و العيب فينا و ما لزماننا عيب سوانا

  • عبد الغنى الجزائرى

    يا استاذ كلامك فيه نوع من( الاسلوبوية )هذه كلمة من اختراعى وهو الطريقة الذكية التى اذا ما قراه الحاكمون يشكرون ويثنون وكذالك الامر للمحكومين و فيى النهاية يصبح كلام دون جدوى وبها ينجح الكاتب فى كسب الصيت وبصراحة فهو ليس الا نوع من الاشهار الشخصى و اعتذر منك
    سيدى قبل ان نتكلم عن اعتناء الحكام بالشطاحات او الشعراء
    وما سميت بالعلماء عليهم بتحليل اول شيى والاسهل مشكل الاطفال الصغار الذين يمشون الكيلومترات سعيا عاى الاقدام وفطورهم خبز من الشعير ليس فيه شيىءوعشاءهم ما يجدونه صالحا مما يرميه الابها ت فى المزبلات وفى خلاصة القول هنا فى الجزائر قالها رجل بقلم حبره الدم عبارة اكبر مما قالها نهرو ( اذا قلتها ستموت واذ لم تقلها ستموت اذن قلها و موت)
    سلام

  • عبد المالك

    متى يستقيم الظل و الغصن أعوج

  • عادل ادريس

    جميل ان تكتب مقالا مثل هذا على الحكام العرب وما يفعلوه في اوطاننا لكن لو كنت يا دكتور انت رئيس دولة عربية ماذا ستقدمه لوطنك ؟

  • farouq

    وماذا نفعل يا فيصل لتغيير الامور

  • amara

    بارك الله فيك أيها الصوت الحر.

  • الجزائر جوهرة

    اخي فيصل ان الله سبحانه يقول في كتابه العزيز ان الله لا يضيع اجر من احسن عملا فلو احسنا فعلا العمل فان الله سبحانه سيكرمنا بتكريم عباده لنا المشكل اننا لانثق في كلام خالقنا سبحانه اما اننا نترك اوطاننا لاجل انهم لم يكرموناونذهب لنخدم الغرباء في حين ان ابناء جلدتنا في امس الحاجة الينا فهذا ليس من الرجولة والنخوة بشيء اعلم ان الامر صعب ولكن بمزيد من الصبرو الثبات نحقق مبتغانا باذن الله فعلا اننا نحب العاجلة والعجلة والمفروض اخي فيصل لنعمل للحد من ظاهرة الهجرة وليس العكس ولك منا كل الاحترام والتقدير

  • مفتاح

    جزيل الشكر والتقدير للدكتور فيصل القاسم علي هذا الموضوع الممتاز ومزيد من المواضيع الهادفة

  • karim

    ....ولكن سيكون بأسكم بينكم".صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم