الرأي

لصّ ونصّ !

جمال لعلامي
  • 8973
  • 2

حكاية “تعليق” سارق في سوق أقبو من طرف مواطنين أو تجار، وتدخل الشرطة لإنقاذه من التعذيب أو من موت محقق، هي ليست الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة من دون شك، وللذي لا يعرف خبايا الأسواق، عليه أن يسأل مرتادي أسواق سيدي عيسى وحجيلة وتاجنانت والخطاب والحراش، وغيرها من الأسواق التي اندثرت والتي مازالت حية إلى اليوم!

أتذكـّر أنني زرت سوق سيدي عيسى قبل سنوات، وإذا بحملة مطاردة وسط السوق، وهرولة جماعية، وضربات موحدة بالعصيّ، وكلمات متناغمة تردّد “أردفو.. أضرب”، ولم أفهم شخصيا وغيري كثير مثلي، ما الذي يحدث، قبل أن نعلم بأن التجار لاحقت سارقا وأخذوا منه حقهم وأدبوه شرّ تأديب، ثم كبلوه وسط السوق وهو ينزف دما، والهدف محاربة اللصوصية!

ظاهريا، فإن مثل هذه الأعمال الردعية التي ينفذها أفراد وجماعات، في الأسواق أو الشارع، وغيرها، بوسعها أن تقضي على ظاهرة السرقة أو تخفف منها، وتزرع الهلع في نفوس السرّاق، لكنها في المضمون، قد تضرّ أكثر ممّا تنفع، فماذا لو نصب كلّ شخص نفسه “قاض وجلاد”، يُلغي القانون، ويطبق قانونه بنفسه ومثلما يفسره هو؟

إن مثل هذه العمليات الدونكيشوتية، حتى وإن كانت دعما لعمل المصالح المختصة، وربما يُمكن إدراجها ضمن “مساهمة المجتمع المدني” في مكافحة اللصوصية، إلاّ أنها في الغالب ستفجّر مشاكل أخرى غير محسوبة العواقب، وتصبح هناك “قوانين” بدل أن يخضع الجميع إلى قانون واحد، والأخطر من هذا، سينجرّ عنها انتقام وأحقاد وتصفية حسابات جسيمة !

بإمكان المتضرّر أن يُلقي القبض بنفسه على السارق، لكن عليه أن يُسلمه للمصالح الأمنية والقضائية، المخوّلة قانونا بالتحقيق والسجن والمحاكمة، أمّا أن يشرع هذا وذاك في تنفيذ عقوبة موازية، وفي الشارع، فإن ذلك لن يُنهي الظواهر المشينة، بقدر ما يفتح الباب على مصراعيه، أمام ظواهر جديدة، يصعب التحكم فيها ومعالجة آثارها وتداعياتها!

عدالة الله، تبقى من دون شكّ أقوى وأكبر من أيّ “عدالات” أخرى، لكن لا يُمكن في أيّ بلد من البلدان، أن ينتزع كلّ شخص صفة الشرطي والمحقّق والقاضي والسجّان، ويُنفذ القصاص، وإلاّ لافتكّ الجميع حقهم من الجميع، وشاعت بعدها الفوضى، وحلّت المأساة، وغاب القانون، واستيقظت بعدها الفتنة، ولن ينفع حينها أيّ صوت لإطفاء نار الضغينة والشعور بالحقرة !

نعم، هناك الكثير من الثغرات والتسامح و”التنازل” وحتى الخوف، الذي غوّل “الباندية” وشجّع السرّاق، لكن حتى لا يتحوّل الضحية إلى متهم، الأفضل له أن “يسمح من حقو”، على أن يتورط ضد القانون !

مقالات ذات صلة