لعلّهم يعلمون
مراجعة الجزائر اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي، التي أقرها مجلس الوزراء، كانت متوقعة منذ فترة طويلة، ومنذ العهدة الأولى لرئيس الجمهورية، وهذا بالنظر إلى المعطيات والمتغيرات السياسية والاقتصادية على حد سواء التي طرأت ليس فقط على علاقات الجزائر مع التكتل الأوروبي، بل مع باقي التكتلات العالمية وأيضا على مستوى التبادل والتعاون بين البلدان.
غير أن توقيت قرار هذه المراجعة اليوم، أخذ بُعدا آخر، على الأقل على مستوى الاتحاد الأوربي، والدوائر اليمينية التي تهيمن عليه، وهي دوائر فرنسية أصلا، التي تحاول -كما فعلت من قبل بإيعاز وتحريك من باريس- أن تجعل الشريك الجزائري، شريكا غير مستقرّ ومضرّا بمصالح الاتحاد.
هذه الأغنية سمعناها من قبل، والملحن كان فرنسيا بالأساس، لأن الجزائر أعلنت مرارا على لسان رئيس الجمهورية أن الجزائر تريد علاقات اقتصادية وقنصلية وخدماتية وثقافية وعلمية متوازنة مع مصالح الجزائر ضمن معادلة “رابح/ رابح”. هذا الكلام كان موجها في الأصل لفرنسا، كون علاقات الجزائر مع الاتحاد الأوربي جيدة في معظمها، ومع كثير من الدول الأعضاء. إلا أن فرنسا هي المتضرر الأكبر، ليس على مستوى العلاقات الجزائرية الفرنسية فحسب، بل على مستوى علاقاتها مع إفريقيا والبلدان التي فقدت أسواقها من جراء طمعها الزائد عن اللزوم والشراهة التي لا تنتهي، حتى مع انتهاء احتلالها لهذه البلدان سياسيّا، قبل أكثر من ثلاثة عقود.
يأتي توقيت قرار مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي، كما أوضحه بيان مجلس الوزراء، بعد 20 سنة من دخوله حيز التنفيذ، منذ 2005، مع أن متغيرات كبيرة قد حدثت، تستدعي تحيين الاتفاقية اليوم بما يخدم مصلحتي الشريكين، على قاعدة “رابح رابح” لا على القاعدة القديمة/ الدائمة: “استيرادـ استيراد”، التي تريدها باريس، وتعمل على استعمالها أداة ضغط من بروكسل لتقوية موقفها من ضياع “اللبن صيفًا”، عندما حاولت أن تبقى على امتيازاتها التقليدية في الجزائر وتأخذ كل شيء من دون أن تقدِّم شيئا، ومن دون فتح أسواقها للمنتجات الجزائرية خارج المحروقات، بل ومنع أي منتَج ناجح يصدَّر إلى فرنسا وشيطنته ومقاطعته، بل وتحرّض على ذلك ضمن سوق الاتحاد الأوربي بما يدفع لإبقاء الجزائر سوقا استهلاكية لا إنتاجية.
هذه السياسية التي كانت مفروضة بشكل مريب على القرار السيادي الجزائري، عندما كان أمثال “بوعلامهم” على رأس إدارة مركزية في إحدى الوزارات الكبرى الاقتصادية… وغيرهم بالتأكيد.
توقيت قرار المراجعة أيضا، وإن لم يعطِه مجلس الوزراء أهمية، حتى بمجرد الإشارة، واكتفى بالمتغيرات الاقتصادية الجديدة، يتزامن أيضا مع الحملة المسعورة ضد الجزائر من طرف اللوبي اليميني الفرنسي، في فرنسا وفي الاتحاد الأوربي، بشأن عُملتهم الممثلة في العميل “صنصال”، الذي رفعت باريس من قيمته التداولية في بورصة “الرخس” لتحريض أوروبا على الجزائر في مسألة أخرى، لا تتعلق بالاستيراد والحمائية الجزائرية لاقتصاديها الناشئ وصناعاتها الجديدة المتنامية من خارج المحروقات، بل من باب المعزوفة التقليدية التي لم تعد تنطلي على أحد: “حرية التعبير”، وكأنَّ فرنسا وحتى من يساندها من الغرب، هي منارة الحريات، والعالم يرى حجم النفاق والكيل بمكيالين ومنع حتى النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي وتوقيفهم، وهم يعرفون من يغطي الحقائق ومن يعمى نظره عن الواقع في العالم ومن ينشر الأكاذيب ويلفّق السرديات والمغالطات، والتي كان الفرنسي الاشتراكي “بونيفاس” قد فضحها في كتابه عن “الكذب الإعلامي” في كتابه “المثقفون المزيَّفون”.
الشراكة تقتضي شريكين أو شركاء يتقاسمون الرِّبح بالتساوي، وأي خلل في هذا المعادلة يستوجب التعديل والتحيين.