-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا نهتمّ برمضان ونضيّع العشر؟!

سلطان بركاني
  • 509
  • 0
لماذا نهتمّ برمضان ونضيّع العشر؟!

عند مغرب شمس يوم الخميس الماضي، حينما أذّن المؤذّن لصلاة المغرب؛ حلّت بأمّة الإسلام أيام ليست ككلّ الأيام، كفاها شرفا ورفعة وفضلا أنّ الله الواحد الأحد أقسم بلياليها فقال: ((وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر)): والليالي العشر في الآية هي ليالي العشر من ذي الحجّة. وإذا كان القسم بالليالي، كيف بالأيام التي هي أفضل وأشرف؟ أيام هي أفضل أيام العام على الإطلاق، وهي خير أيام الدّنيا وخير أيام العمر وخير أيامٍ يعيشها العبد في مسيرة حياته: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أفضل أيام الدنيا العشر -يعني عشر ذي الحجة-” (أخرجه البزار بسند حسن).

بعد الوقوف على هذه الحقيقة؛ يحسن بنا أن تكون لنا وقفة نتساءل من خلالها: لماذا يتداعى المسلمون للتوبة إلى الله في بداية رمضان، وتمتلئ المساجد مع أوّل يوم من الشّهر الفضيل. لكنّنا في العشر من ذي الحجّة، لا نلمس أيّ تغير في حياتنا، ولا نرى أيّ جديد في بيوت الله ولا في بيوتنا، اللهمّ إلا الحديث عن همّ الأضحية؟! إنّنا لو صدقنا مع أنفسنا لقلنا إنّ السّبب هو الغفلة عن فضل العشر من ذي الحجّة.. ووالله لو كنّا نقدر هذه الأيام حقّ قدرها، لأقبلنا فيها على التوبة إلى الله وعلى بيوت الله أكثر من إقبالنا في رمضان.. كيف لا وهي أفضل أيام العام على الإطلاق، وهي أيام وصفها الله بأنّها معلومات، فقال -جلّ من قائل-: ((وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ))؟ أيام معلومات أي إنّ العبد المؤمن الصّالح لا ينساها ولا يغفل عنها، بل ينتظرها بشوق وعلى أحرّ من الجمر، ليس ليُشبع نهمه من اللّحم، إنّما ليتوب ويؤوب ويقبل على الله وعلى ما يحبّه مولاه، ويبدأ من جديد طريقه إلى رضوان الله. يذبح هواه في أول يوم من عشر ذي الحجّة قبل أن يذبح أضحيته في آخر يوم من هذه الأيام. ينتظرها كما ينتظر رمضان، لأنّه يراها فرصة جديدة ليشحن قلبه ويهزّ نفسه ويوقظ روحه من جديد.

قد يتساءل متسائل: إذا كانت هذه الأيام هي أفضل أيام العام، فماذا عن العشر الأواخر من رمضان؟ والجواب أنّ ليالي العشر الأواخر من رمضان هي أفضل ليالي العام، بينما أيام العشر من ذي الحجّة هي أفضل الأيام.. ليالي العشر من رمضان فيها ليلة القدر، أمّا أيام العشر من ذي الحجّة ففيها يوم الأضحى وما أدراك ما يوم الأضحى! أفضل أيام الدّنيا.. وفيها يوم عرفة وما أدراك ما يوم عرفة! يوم العتق الأكبر، أفضل أيام الدّنيا بعد يوم الأضحى.

أيام العشر من ذي الحجّة، أيام تضاعف فيها الأجور والحسنات، وتغفر الذّنوب والخطيئات. تفتّح فيها أبواب الرّحمات وتهبّ النفحات، ويصيب الله برحمته من يشاء من عباده، ممّن تابوا وفرّوا إليه واعترفوا بذنوبهم وتقصيرهم نادمين. يقول شفيعنا -صلّى الله عليه وسلّم-: “افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإنّ لله -عز وجل- نفحات من رحمته يُصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله عز وجل أن يستر عوراتكم، وأن يؤمِّن روعاتكم” (رواه الطبراني).

حلّت العشر الأول، وعشنا ليلتها الأولى التي كانت موافقة لليلة الجمعة؛ فكانت ليلةً من أفضل ليالي الدّنيا، تنبض فيها القلوب الحيّة ترجو رحمة الله وعفوه.. انتبَهَ لها من وُفّق من عباد الله، فتابوا وأنابوا وسألوا الله مولاهم أن يعينهم في هذه العشر على طاعته ومرضاته، ويجعلهم من المقبولين الذين يَكتب لهم رضوانه فلا يشقوا بعده أبدا.. ثمّ كان فجر أول يوم من أيام العشر، الذي وافق فجر يوم الجمعة أفضل وأهمّ صلاة في الأسبوع بعد صلاة الجمعة. ومع كلّ أسف، كانت صفوف مساجدنا هي الأقلّ على الإطلاق، وأصبح كثير من المسلمين يَغطّون في نومهم، فلا “حيّ على الصّلاة” أيقظتهم، ولا حيّ على الفلاح حرّكتهم، ولا “الصلاة خير من النّوم” لامست قلوبهم أو حتّى أسماعهم. أنساهم الشّيطان أنفسهم وأنساهم ذكر الله فبدؤوا العشر من ذي الحجّة أفضل أيام الدّنيا بكبيرة هي أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، كبيرة النّوم عن الصّلاة، وهم الذين كانوا يبدؤون أوّل يوم من رمضان بالحرص على صلاة الفجر في بيوت الله.. فإيه لنفوسنا! لو علمنا أنّ حظًّا من حظوظ الدّنيا يوزَّع صبيحة الجمعة الأولى من عشر ذي الحجّة، الساعة الثالثة والنصف فجرا، في محل من المحلات، لرأينا الطوابير الطّويلة بدءًا من منتصف الليل! كيف لا وقد رأينا صور الطّوابير أمام شبابيك بيع تذاكر المباريات تبدأ عند ساعات الفجر، حتى في أيام الجمعة!

الحقيقة المرّة التي ينبغي أن تقرع قلوبنا، هي أنّ ومن وجد نفسه تتعامل مع العشر من ذي الحجّة كما تتعامل مع باقي الأيام؛ فليعلم أنّه قد بلي بأعظم بلية وهي قسوة القلب. فإنّ المواسم الفاضلة التي تضاعف فيها الأجور وتغفر فيها الذّنوب وتعتق فيها الرقاب، لا يَغفل عنها ولا تُغلق أبوابها إلا في وجه عبد قسا قلبه وأعرض عنه مولاه سبحانه: ((وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ))، ((إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِين)).

إنّه ميزان دقيق يزن به كلّ واحد منّا نفسه: من لم يجد قلبَه يتحرّك في الأيام والمواسم الفاضلة، ولم يجد نفسه تحدّثه بالتوبة والإصلاح والتخفّف من الذّنوب والتزوّد من الأعمال الصّالحة، فليعلم أنّه يحمل في صدره قلبا قاسيا ونفسا لاهية غافلة، وهو في أمسّ الحاجة لأن يسارع إلى معالجة قلبه وإصلاح نفسه قبل أن يتطوّر المرض فيموتَ قلبه وتتحوّل نفسه إلى شيطان مارد.. نعم، إذا كان قلبك لا يتحرّك في المواسم الفاضلة ونفسك لا تلين في الأيام المباركة، فلتخش على قلبك أن يكون قد خُتم عليه، وأنّك ربما لن تموت حتى يتحوّل قلبك إلى حجر صلد وتتحوّل نفسك إلى شيطان مارد تأمرك بالشرّ والمنكر والغفلة، وتنهاك عن الخير والمعروف والطّاعة، ويومَ القيامة تفاجَأ مفاجأة مدوية تزلزل أركانك بأنّك حشرت مع قوم ما كنت تحسب أن تحشر معهم، وأنت الذي كنت تظنّ أن ستحشر مع المؤمنين: يقول الله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون)).

إنّها أمارة قسوةٍ في القلب وغفلة في الروح أن تكون أيام العبد كلُّها سواءً؛ أن يكون الجمعة كالخميس والسّبت، ويكون رمضان كشعبان وشوال، وتكون عشر ذي الحجة كعشر ذي القعدة، وكغيرها من الأيام!

نعم أخي المؤمن: أخاطب نفسي وأخاطبك: إذا لم تتحرّك إلى الله في الأيام الفاضلة والشريفة، فمتى تتحرّك؟ تبت في بداية رمضان، ثمّ ما لبثت حتّى عدت إلى غفلتك في آخر رمضان، ولم تكد تمرّ بعد رمضان سوى أيام معدودة، حتى عدت إلى ما كنت عليه قبل رمضان: عدت إلى هجر المسجد، وإلى النّوم عن صلاة الفجر، وإلى غضّ بصرك عن القرآن، وتنجيس عينيك بالنّظر إلى الحرام وإحراق وقتك وعمرك بتفاهات وسفاهات المواقع.. ابتعدت مرّة أخرى عن مولاك ونسيت الموت والآخرة والحساب.

ها هي العشر من ذي الحجّة تدعوك وتناديك لتقبل على الله مرّة أخرى، لتعود كما كنت في بداية رمضان وأفضل.. تدعوك لتغسل قلبك وتؤدّب نفسك مرّة أخرى، لتبدأ من جديد حياة جديدة تسعد فيها بتنظيم حياتك وأوقاتك وحرصك على طاعة الله ومرضاته: على الصلاة في بيت الله، وعلى حثّ الخطى إلى المسجد في صلاة الفجر، وعلى تطهير عينيك وغسل قلبك بتقليب أوراق المصحف.

العشر من ذي الحجّة 240 ساعة فقط، مضت منها أكثر من 48 ساعة، وبقيت أقلّ من 192 ساعة، ومن لم يتحرّك بحزم مع نفسه، سيندم مساء يوم الأضحى، حينما يرى أضحيته قد تحوّلت إلى لحم، أشبع بطنه منه، ثمّ ماذا؟ يتساءل: هل هذا هو حظّي من أفضل أيام الدّنيا؟ بطن امتلأت لحما! أ هذا هو نصيبي، في الوقت الذي أعتقت فيه رقاب عباد الله، وصام من عباد الله من صام، وقام منهم في هذه الأيام من قام، وتصدّق من تصدّق؟!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!