لنتذكر المصالحة
لو نعيد فتح ملف المسؤولية والمظلومية في هذا البلد على جميع المستويات، لما تمكنا من غلقه أبدا.. ولو نقوم بتوسيع مفهوم المظلومية إلى كل من لم يحصل على حقّه في العمل والسكن والتعليم والصحة… لأصبح كل الشعب مظلوما إلا من رحم ربك، وحتى وإن اقتصرنا على الظلم السياسي، فإننا لن نستطيع بسهولة طي هذا الملف، لذا اعتبرنا في لحظة من اللحظات أنه علينا أن نتعلق بمفهوم المصالحة الواسع والصحيح إذا أردنا أن نبني بلدنا وأن نتقدم إلى الأمام.. أن نعفو عن مَن ظلم في أي مستوى كان، وأن لا نُبقي أيا كان في السجن، أو نمنعه من حقوقه المدنية والسياسية والاجتماعية.. أن نَطوي صفحة اليأس التي عصفت بنا وأن نفتح الأمل أمام الجميع.
اتفقنا على هذا بغالبية ساحقة، ولا أظن أننا ندمنا على ذلك، إلا في حدود امتناعنا عن تمكين الجميع من حقوقهم السياسية والاجتماعية مثلما اتفقنا عليه، وكانت ومازالت أمنيتنا أن نصل إلى مرحلة لا يبقى فيها مظلومٌ لم يسترد حقوقه أو لم يُرفع عنه الظلم في أي مستوى كان.
كانت هذه وجهة صحيحة اتبعناها بعد سنوات من الدماء والدموع، وكان ومازال علينا أن نصونها بكل الوسائل إذا أردنا أن لا نعود إلى الوراء، فما الذي يجعلنا اليوم نبدو وكأننا نتقهقر إلى ماض تعيس، لنتصرف كمنتصر ومنهزم، كقوي وضعيف، كقاهر ومقهور؟ ما الذي يعيدنا إلى العنف اللفظي والسياسي والقانوني والأخلاقي الذي كان سببا في انتقالنا إلى العنف الجسدي والمادي؟
ما الذي يمنعنا من أن نواصل مسار المصالحة السياسية إلى مَن بقي إلى اليوم يعاني من آثار الظلم الذي مورس عليه، ثم نعمّقه إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية كضمان لعدم النكوص؟ لماذا نعود مرة أخرى إلى الاستقطابات المتحورة حول الأشخاص ونعود إلى لغة التهديد والوعيد والمناورات والحسابات الخفية، هذا ضد هذا وهذه المجموعة ضد تلك؟
ألسنا في حاجةٍ اليوم إلى إتمام المصالحة السياسية من أجل التفرّغ لأشكالٍ أخرى من المصالحة على الصعيد الاقتصادي في شكل عدالة اجتماعية، وعلى الصعيد الثقافي في شكل استعادة عناصر الهوية الوطنية؟ ألم تُعلّمنا التجارب الماضية والحاضرة والمحيطة بنا أنه علينا أن نسلك طريق الحكمة والرويّة بدل طريق التهديد والوعيد، والتمترس خلف الأشخاص والولاءات بدل التمترس خلف الجزائر كبلد نؤمن بأنه يسعنا جميعا وبإمكاننا أن نعيش فيه بسلام ونحصنه من كل ظلم جديد؟