لهذه الأسباب أدعم إخطار الرئيس تبون لتفكيك قنبلة الدروس الخصوصية
يشتغل الأستاذ المربي، لمباركية نوّار، منذ سنوات على ظاهرة “الدروس الخصوصية”، الموازية في الجزائر، متخذا من نقدها وكشف اختلالاتها مجالا للدفاع عن المدرسة الوطنية ودورها في المجتمع، حتى أنه اشتهر بوصفها إعلاميا من خلال مقالاته الغزيرة بـ”الدروس اللصوصية”.
في هذا الحوار مع “الشروق اليومي”، يغوص الباحث في قضايا التربية والتعليم في تفاصيل المشكلة ويشرح تداعياتها، مؤيدا بقوة إخطار رئيس الجمهورية المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتفكيك هذه القنبلة النائمة في كيان الجسم التربوي.
تستخدم عبارة “الدروس اللصوصية” بدلا من “الدروس الخصوصية”، ما هي خلفية هذه التسمية؟ وما الذي تريد التعبير عنه من خلالها؟
في الحقيقة، إن عبارة “الدروس اللصوصية” لا ترقى إلى مستوى المفهوم، أو المصطلح، ذلك أن المفهوم هو فكرة عامة جرى عليها التوافق، ويتحدد سمته وكيانه بمواصفات، ويستدعي أمثلة توضيحية وأمثلة أخرى معاكسة إذا اقتضى الأمر، درءا للخلاف وقتلا للخلط وطردا للغموض.
ومع ذلك، فإن عبارة “الدروس اللصوصية” أبلغ في التعبير عن هذه الممارسة الشنيعة والذميمة والمبغوضة في ميزان التربية السليم ومكيالها المستقيم. ويجدر بي أن ألاحظ أن هذه العبارة لا يمكن أن تُشكّل لها امتدادات مغرضة تتجاوز حقلها التعبيري والدلالي. ووجودها مرهون بوجود هذه الظاهرة الممارسة.
إن عبارة “الدروس الخصوصية” ليست من ألفاظ قواميس علوم التربية المحكّمة وذات المتون المتينة، فهي ترفضها ولا تسمح بذكرها. كما أنها تخفي مغالطات كثيرة مكشوفة ومفضوحة عند من يحسن التفحص ويوغل الملاحظة.
وبسبب مساوئ ممارستها، تسللت إلى جوف مدرستنا الذي يفترض أن يظل نقيا وخاليا من الملوثات، تسللت إليه أمراض وعلل طاعونية عفّنت صفوه، وغيّرت كل القيم الأخلاقية التي تعبّر عن انتظام وصفاء الحياة فيه.
ووصل لهيب نيرانها المضطرمة إلى العائلات الفقيرة التي احتارت في قوت أبنائها، وأثقلت كواهلها بمصاريف إضافية تدفعها من جيوبها. ومن جانب آخر، فقد مزقت شبكة العلاقات بين كل أفراد المجتمع المدرسي. وسقطت كل هذه المعايب على رأس المدرسة الوطنية، فأعاقتها عن السير، وأصابتها إصابات بليغة جعلت دمها ينزف من دون توقف.
إن الخاسر الأكبر هو المتعلم، حجر الزاوية في عملية التعلم وركنها الركين. وعندما يفقد المتعلم الرهان، فإن ذلك يعني أن مستقبل الوطن تتربصه النكبة ويترصده الخسران.
فهي “دروس لصوصية”؛ لأنها تجنّت في عدوانية مرعبة، وسرقت كل جميل يشيع من أرجاء مدرستنا، وحرّفت مجرى رسالتها التربوية والتعليمية بعد زعزعته. وجعلت مخرجاتها لا تتناسب قيمة وجودة مع الأموال الطائلة والضخمة التي تخصصها الدولة للاستثمار فيها.
كيف انعكست هذه الظاهرة على الممارسة التربوية والبيداغوجية داخل المدرسة، وعلى قدرات المتعلمين وتطبيق المقاربة بالكفاءات؟
نعترف، بداية، أن الفعل البيداغوجي الجاد والمتميز ضعيف الممارسة في مدرستنا لأسباب عديدة، وعلى رأسها ضعف الإطار المشرف. ومما زاد طينته بلة، (بكسر حرف الباء)، ووضعه رداءة وفداحة، هو انتشار الدروس الخصوصية. وإليك بعض الإثباتات:
أولا: رسّخت الدروس الخصوصية التلقين السلبي، وهي السبب الأول في تأخير العمل بالمقاربة التدريسية بالكفاءات التي تبنتها مناهجنا التعليمية منذ ما يقارب ربع قرن، وحرمت المتعلمين من تطوير قدراتهم كلها، بما في ذلك القدرات النفس-حركية والوجدانية، ناهيك عن القدرات العقلية. وأصبحوا عاجزين في فداحة لفقدان فرص تدريبهم وتمرينهم وتهيئتهم وتعليمهم من منظور بنائي.
ثانيا: عطّلت الدروس الخصوصية كل القدرات عند المتعلم، وأبقتها في حالة خمود متواصل، وحجرت عليها، مع العلم أن القدرات هي أدوات التعلم المسخرة أثناء التعلم.
ولم تصبح هذه القدرات واقعة ضمن اهتمام المدرسين للعمل على تطويرها وتقويتها، بعد أن “ابتكروا” منهجية خاصة، وهي: “تعلم المفاهيم عن طريق حل التمارين”.
ومن المعلوم أن التمارين تتناول حالات خاصة، والمفاهيم توصف بالعمومية والتجرد، أي التحلل من الحالة الخاصة والاستغراق في العمومية. وأصبح التخزين والحفظ الذهنيان هما السائدين حتى أثناء التعامل مع المواد الصلبة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات.
وتحوّلت أدمغة المتعلمين إلى أوعية وجرابات وأكياس وقِرَب وأوانٍ لتكديس ورزم المعارف بصفة فوضوية. وبذلك، تضاعف منسوب المعرفة الميتة في الأذهان، وتقلّصت مساحة المعرفة الحية الوظيفية التي تستثمر في حل المشكلات، ولازم الخور والعجز محاولات المتعلمين أثناء مواجهة الأسئلة الإنتاجية في الامتحانات.
ثالثا: قضت الدروس الخصوصية على الجهد الفردي للمتعلم، وهو الفعل الذي ينفع المتعلم من خلال الاعتماد على التعلم الذاتي، ويشحذ قدراته، ويعبّر عن مستواه العلمي الحقيقي وعن التحسينات التي تطرأ عليه.
وعلى المنوال نفسه، كان مصير التعلم التعاوني بين المتعلمين خارج الأقسام في مجموعات مصغرة. وهو تعلم يتميز برجحان الاستفادة؛ لأن المتعلم يتعلم من قرينه أضعاف ما يتعلمه من مدرّسه، كما يقول المربون.
رابعا: لم يعد المدرسون يعبأون بالتقويمات التي تجرى أثناء حصص التدريس، وحين إجراء الفروض والاختبارات الفصلية، من حيث حسن الإعداد والبناء. وتراجع الاهتمام بتصحيح أوراق الممتحنين وتسخير النتائج الملتقطة في تجويد الأداءات الفصلية، وأحيانا لا ينظر إليها تماما.
وأصبحت العلامات لدى البعض مغشوشة وتوزع وفق معايير أخرى تتقدمها الزبونية المنبوذة خارج المؤسسة التعليمية. ولم تعد النتائج المحصلة تعكس الواقع التحصيلي بصدق.
خامسا: انطفأت شعلة التنافس بين المتعلمين، ولم يعد التباري النظيف والشريف سائدا في وجود عامل مؤثر دخيل، متمثل في انحياز المدرسين في المعاملة، والتقرب أكثر إلى من يحضرون دروسهم المتورمة خارج المدرسة، ومنحهم درجة السبق والامتياز.
سادسا: انعدم التعاون والتنسيق والنقاش العلمي بين المدرسين في تحضير الدروس، وتجديد أساليب العمل، وإعداد المذكرات، ومناقشة المضامين العلمية، وبناء التقويمات، والقيام بندوات داخلية، ومتابعة أعمال المتعلمين، وحثهم على المواظبة، واكتشاف مواهبهم ورعايتها. يروّج مقدمو الدروس الخصوصية أنهم يطرحون علاجات للتأخر الدراسي الذي ينضوي تحت عنوان “البيداغوجيا العلاجية”، وهي من أصعب فروع البيداغوجيا؛ لأنها دقيقة وشاقة، وتحتاج إلى بحث معمّق لكشف العلة وتشخيص أسبابها وتقديم علاج لها. فهل حضور المتأخرين دراسيا في مستودعات الدروس الخصوصية المتزاحمة ينفع في علاجهم أم يقوّي العلل عندهم؟
تحدثت عن آثار الدروس الخصوصية أو اللصوصية في أداء المدرسين وقدرات المتعلمين. ماذا عن انعكاساتها على العلاقات داخل المجتمع المدرسي، وهيبة المدرس، ومبدأ تكافؤ الفرص؟
لا يمكن للمدرسة أن تؤدي وظيفتها في راحة، وأن تحقق أهدافها، إلا إذا شُدّ المجتمع المدرسي بمجموعة من الفضائل والخصال التي تصنع السكينة وتزرع الهدوء في ربوع المدرسة، وعُضّ عليها عضا قويا بالنواجذ.
وقبل استفحال الدروس الخصوصية، كان المجتمع المدرسي مجتمعا مثاليا في تماسكه وتآزره؛ لأن أفراده يسعون جميعا إلى بلوغ هدف واحد مشترك، ولا يحيدون عنه. ولما تغيّرت النظرة إلى العمل في المدرسة، وتحوّل من رسالة نبيلة إلى تجارة مربحة، تزعزع هذا المجتمع، وانحرفت به الطريق، ونبتت فيه أمراض اجتماعية عويصة ومقلقة، ومنها:
مع سيادة الاختلافات بين المدرسين، التي تحوّل معظمها إلى خلافات حادة، ساءت العلاقات بينهم داخل المؤسسات التعليمية بسبب الصراع غير الشريف للفوز بجلب أكبر نصيب من المتعلمين إلى مقار الدروس اللصوصية، وباستعمال مصيدة الإغراءات. ووفّر هذا الجو المشحون بيئة انعدمت فيها الثقة والتكامل تماما.
تراجع التوجيه التربوي البنّاء للمتعلمين، ولم تعد له حظوة بين واجبات المدرسين الذين أغراهم رنين الدينار. وتقلصت متابعة المتعلمين والتقرب منهم بلا مفاضلات أو تفريق. ولم يعودوا يتلقون النصائح والتوجيهات البنّاءة التي تسهم في تربيتهم حتى ينشأوا على الصلاح ويمتلكوا الاستعداد لاحتضان قيم المواطنة الرشيدة.
نتج عن هذه الدروس العليلة والكليلة خسوف تربوي مفزع في مدارسنا، وانهارت هيبة المدرس أمام المتعلم وأوليائه وفي نظر المجتمع. وأصيبت العلاقة بين المدرسة وشركائها في الصميم، وكم من مرة حصل اقتحام لحرمة الأقسام من طرف الأولياء، وحصلت تصرفات خدشت قداسة المدرسة.
بسبب انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية التي التهمت كل أوقات المتعلم ليلا ونهارا، لم تعد المدرسة فضاء مهيأ ومناسبا لتفتح شخصية المتعلم التي تتطلب مرافقة دائمة من طرف المدرسين الذين تجردوا من الروح المهنية. لأن كل جهد هؤلاء يُرمى صبيبه خارج المدرسة، مما أوصلهم إلى قطع الصلة بكل ما ينعش ويغذي الحياة المدرسية ويجعلها تزدهر. ولم يبق لهم من همّ سوى التفكير في ملء جيوبهم، ناسين أنهم مقصرون في الحفاظ على الأمانة التي وُضعت بين أيديهم، وهي من أغلى أمانات الوطن. فهل يُعرف ما يفوق أو يعادل غلاء المادة الرمادية لأبناء الوطن؟
أحدثت الدروس الخصوصية رجة عنيفة في أعلى مبدأ بُنيت على أساسه المدرسة الوطنية، وهو مبدأ “تكافؤ الفرص”. ففي المدرسة، تختفي كل مظاهر التفاوت الطبقي والتصنيف. وأمعنت الدروس اللصوصية في تحطيم هذا المبدأ لما اخترعت ما تسميه “الأقسام الخاصة”.
يروّج المدافعون عن الدروس الخصوصية أنها ترفع نسب النجاح في الامتحانات الرسمية. هل ترى أن هذا الادعاء يعكس حقيقة أدائها؟ وكيف تنظر إلى نتائج التعليم في الجزائر؟
إذا كان هذا الادعاء المغالط صحيحا، فلماذا لا يلجأ إلى غلق المؤسسات التعليمية الرسمية عن بكرة أبيها، وتوجيه الأموال التي تخصصها الدولة للتعليم، بالمناسبة، الجزائر تحتل المرتبة الثانية عالميا من حيث الميزانية المخصصة للتربية والتعليم، إلى مجالات استثمارية إنتاجية أخرى؟
أما القول برفع نسب النجاح في الامتحانات الرسمية، فهذا قول مردود، ونسب النجاح عندنا في شهادة التعليم المتوسط وفي شهادة البكالوريا متواضعة مقارنة بالإمكانات المادية العديدة الموفرة. وأنا أنتظر اليوم الذي يصل فيه النجاح في الشهادتين إلى نسبة 90 بالمئة. وزد على ذلك، هل المدرسة تعدّ الناشئة الذين يؤمونها للحياة أم للامتحانات؟
أمام الأسئلة النمطية التي تعتمد على الحفظ والاسترجاع، أي الاستظهار، والتكرار، لا يمكن الحديث عن التفوق في معدلات النجاح في امتحاني الشهادتين. والتفوق لا يصنعه امتحان واحد. فقد يستطيع فريق رياضي لكرة القدم أن يفوز في مقابلة واحدة يلعبها، ولكن ليس سهلا عليه الفوز ببطولة أو دورة رياضية.
كيف تلقيتم إخطار المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بموضوع الدروس الخصوصية للنظر فيه؟ وما الذي تنتظره من هذه الخطوة؟
إن ما أقدم عليه رئيس الجمهورية، مشكورا وممتدحا، في هذا الموضوع يعني بالنسبة إليّ أمرين اثنين متكاملين.
أما الأمر الأول، فيعكس حصافة وجهة نظر القيادة السياسية إلى المدرسة ودورها في تشييد مستقبل الوطن.
والأمر الثاني يدور حول السعي في وعي وحس وطني راق، إلى إعادة العملية التربوية برمتها إلى حضنها الحقيقي، وهو المدرسة، بعد أن هُجّرت خارجها، ومحاربة كل من تسوّل له نفسه تحويل الرسالة التربوية إلى تجارة.
أعتقد أن المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لن يتراجع عن مسؤوليته في فضح مضار هذه الآفة. وأعتقد أن هذه الهيئة الموقرة، بتشكيلتها البشرية المؤلفة من كفاءات مؤهلة، لا يمكن أن تنتهي اقتراحاتها سوى إلى توصيات لمنع وحظر هذه الدروس وتجريم ممارسيها، دفاعا عن المدرسة الوطنية وصونا لكرامة رسالتها النبيلة.