ليس وقت “تغنانت”!
من الطبيعي أن يسكن الخوف والقلق المواطنين قبل الحكومة والنواب والوزراء والخبراء والأثرياء، فالحقّ يُقال إننا جميعا “والفنا”.. فلا يُمكننا اليوم في 2017 تقبّل العودة إلى إجراءات وقرارات السبعينات والثمانينات والتسعينات، حتى وإن كانت الأزمة المالية متشابهة والمصاعب الاقتصادية مستنسخة وواحدة موحّدة، قد يكون الفرق الوحيد بينها هو تبدّل جزء من الجيل!
الجميع “والف” أكل “الياؤورت” والموز والجبن، و”والف” توزيع السكن “بالمجان”، والتوظيف والأجور ولو “بالمعريفة”، ومنهم من “والف” الاستفادة من غنائم المشاريع والصفقات و”التشيبا” تحت الطاولة، ومنهم من “والف” أن يقبض من دون أن يعمل، و”والف” سرقة الوقت والنصب والاحتيال، وقتل الزمن في إتمام مختلف المشاريع!
كلّ هؤلاء في السلطة والمعارضة ووسط الشعب، “والفو”، ولا يُريدون أن يعودوا إلى الوراء، ولا يرغبون البتة في الحديث عن الأزمة المالية وتداعياتها، حتى وإن كانت شرّا لابد منه، ولذلك تجد الحكومة الآن صعوبة في الترويج لمخطط عملها، وتبرير إجراءاتها، كما يجد الخبراء صعوبة في طرح مقترحاتهم، وتجد الأحزاب صعوبة في التسويق لبدائلها!
نعم، “الولف صعيب”، ولذلك لا يُريد هؤلاء ولا أولئك تضييع الجمل بما حمل، ومنهم من يفضل خسارة الصوف بدل الخروف، وهو ما يُبعد أيّ عجب أو غرابة في تقبّل الموظفين مثلا “زبر” أجورهم، لاحقا، في حال استمرار الأزمة، على أن يضيّعوا مناصب عملهم بالجملة والتجزئة!
سيرضى “المزلوطون” بوجبة خفيفة من خبز وحليب، ويتناسون “الكيوي” و”الكافيار”، في ظلّ صعوبة ضمان سعر العدس واللوبية، كما سيرضى المستوردون بتقليص عدد الحاويات، واختزالها في استيراد المكانس وما ثقل وزنه ورخص ثمنه، مثلما سيرضى “البارونات” بنتف فوائدهم وتراجع عائداتهم، فاستمرار مجرّد دينار أفضل من ضياع المليار!
المخاوف مشروعة وشرعية، ولا داعي للتهوين منها أو تتفيهها، لكن المطلوب بالمقابل، إظهار “حنة الأيدي”، وابتكار الحلول القابلة للتجسيد حتى وإن كانت سحرية، شرط ألا تكون خيالية ومبنية على الأحلام الوردية التي لن تتحقق أبدا، وهذا لن يتجسّد إلاّ بالواقعية وإن كانت أحيانا مرّة وموجعة، لكن إذا كان العلقم دواء فلا بدّ منه لعلاج الورم!
قد لا تنفع في حالة الأزمة المالية، تحديدا، ركوب الرأس، و”التغنانت” والاصطدام بين الموالاة والمعارضة، لأن الأمر جلل، ولا فائدة من الحساب في وقت يتطلب إنقاذ الباخرة من الغرق والوصول بها إلى برّ الآمان، سالمة غانمة، وبعدها لكلّ مقام مقال، ولكل حادث حديث!