الرأي

مآل “سوف”: طعنةٌ غادرة لفلسطين

بقلم: فريد حاجي
  • 688
  • 0

يقول المؤرخ والجنرال اليوناني ثوقيديدس (460-395 ق.م): “…في حين لا يكرر الزمن الحاضر الماضي بالضبط، فإنه يجب أن يشبهه حتما، وبالتالي ينبغي أن يكون المستقبل كذلك”. ويقول “ونستون تشرشل” (1874-1965م): “…أنه كلما أمعنت النظر إلى الماضي، كلما أحسنت النظر إلى المستقبل”. وكان “هـ. كيسنجر (1923-2023م) يؤكد دوما على أهمية الالتزام بالتاريخ بكل قوة.

إن المعرفة بالتاريخ، ليست بغرض استنساخه أو تقليده، بل لفهم الحاضر، والاستلهام منه يعطي الأساس لما هو راهن من سياسات ومواقف، وما يمكن أن يؤشر إلى ذلك مستقبلا. ومع ذلك، فإن وُلاة الأمور في معظم عالمنا العربي يتجاوزونه. ففي العصر الحديث على الأقل لا نقف في ثناياه على حركة تحرر تمكنت من انتزاع الحق عبر المفاوضات والمشاريع السياسية وفقط، دون عامل الردع. إنه المطب الذي دُفعت إليه قضية فلسطين، منذ نحو 35 عامًا، بغير الحاجة إلى خوض الهيجاء. وقد ترتب عن ذلك مشاريع حلول لا تُحصى، لم تشهدها أي قضية تحرر قط؛ مشاريع حل عنوانها الرئيس “سوف”. لكن، لا الكيان استجاب لأي منها، ولا ضغطٌ عليه من حُماته الغربيين وإلزامه بهذا الحل أو ذاك. أما من استدرجهم من بني جلدتهم إلى ذاك المطب، فقيل لهم عليكم بالاعتكاف على “سوف” والمصابرة كحالنا، بعد تخييرنا بين الامتثال، وإلا..؟

ينبغي التذكير بأن “سوف” ذُكرت 38 مرة في القرآن الكريم، وتشير إلى وعد الله الحق الذي لا له إلا هو. أما استعمالها من طرف الغرب، فتُحيل إلى الغدر والتدليس والنفاق، كتلك التي قيلت للعرب أثناء حرب (1914-1918م)، قفوا معنا كي”تتخلصوا” من إخوانكم في الدين من العجم وتُقيموا “دولتكم العربية الكبرى”. وبعد انتصار “بريطانيا وفرنسا” في الحرب رُفع علم وشعار هذه “الدولة” الموعودة فوق السرايا الكبير في بيروت، لكن النشوة لم تدم سوى 4 أيام، حيث استُبدل ذاك العلَمُ بالعلَم الفرنسي كما خُطط لذلك في”اتفاقية القاهرة السرية” والتي سميت فيما بعد “اتفاقية سايكس/بيكو، وهي”سيمفونية” عزفها الجنرال “ديغول” خلال حرب (1939-1945) في مؤتمر “برازافيل” العام 1944م، قفوا معنا ضد النازية وستنالوا استقلالكم، وكان الجزاء مذابح ماي 1945 وما بعدها.

 وقد، كانت فلسطين من بين نصيب بريطانيا من التركة وفق الاتفاقية، فراحت تهيئ الأرضية لمنح وطن لليهود تجسيدا لوعد بلفور المعلن عنه في 02/11/1917م. وهنا لم يكن مكان لا لـ “سوف” ولا لمماطلة – كتلك التي تُسوق للعرب – بل، فتحت المجال لموجات الهجرة إلى فلسطين منذ انتدابها على فلسطين إلى غاية خروجها في 29/04/1948م. وحتى لا تبقى فلسطين شأنا بريطانيا قامت بتحويلها إلى هيئة الأمم قصد شرعنة اغتصاب فلسطين. وكم كانت هذه الهيئة عادلة في قرار التقسيم الصادر في 29/11/ 1947م؟ حيث تم منح 56.47% من الأرض لكمشة من اليهود لم يتجاوز تعدادهم 55 ألف ولا تتعدى ملكيتهم 7.5% من الأرض، لترتفع النسبة إلى 77.4%، بعد قرار التقسيم وارتفاع عدد اليهود إلى 650 ألف عشية إعلان قيام دولة الكيان في 14/05/1948م. وفي المقابل، تم منح أصحاب الأرض 42.88%، لساكنة يبلغ عددها 1.415.000 في العام 1948م.؟

 بذلك، كان جزاء بريطانيا لمن وثق فيها من العرب، أن غادرت بعد أن صيرت فلسطين يهودية/ صهيونية، وقد تركها العثمانيون”العجم” عربية، مسلميها ومسيحييها بعد مكوثهم فيها 4 قرون. وقد سلمتها لأمريكا لتُكمل عملية تجذير التهويد والتمكين له، وهو ما صرح به “هاري ترومان” قائلا: “… إن هدفي فيما مضى وفيما سيأتي هو تحقيق وعد بلفور وإنقاذ بعض ضحايا النازية.. إن السياسة الأمريكية تقوم على أساس إنشاء وطن قومي لليهود، وتسهيل هجرة يهود أوروبا الذين تم اقتلاعهم”.

نعم، خاض العرب حرب 1948 والتي لم تدم أكثر من تسعة أشهر، وجاءت الحرب الثانية العام 1967 ولم تزد عن ستة أيام، والمسماة بالنكسة، وعقبها جاءت فكرة “حل الدولتين” لتسوية الصراع، بموجب قرار 242 الذي لا يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية، بل على إقامة سلام بين دول، وقابله العرب باللاءات الثلاث العام 1969م، ثم خوض حرب العام 1973 التي لم تدم سوى 18 يوما، وهو الشيء الذي أغضب الرئيس الراحل “هواري بومدين” وتعجب لأمة تريد تحرير أرضها من مستعمٍرٍ غاشم، بتضحية لا تزيد عن 10 أشهر منذ نكبة 1948م، إنها لسابقة في التاريخ، لكن، ماذا عساه أن يفعل أمام حكام استكانوا لـ “سوف”

هؤلاء، نسوا أن “سوف” أدت إلى ضياع فلسطين، وأن الغرب لم يقل للصهاينة “سوف” نقيم لكم دولة، بل وعد ووفى واعترف بدولتهم بدقائق من إعلانها العام 1948م تفعيلا لقرار التقسيم للعام 1947م. ولما كان التاريخ عندهم مجرد أحداث ولت، ظلوا ينساقون وراء “سوف” ويقدمون المزيد من التنازلات، ومنها

إلغاء مصطلح الحرب من قاموسهم، رغم أن التوازن الدولي كان يومها في صالحهم، لكن الشقيقة الكبرى رأت أنه يكفيها تضحية من أجل فلسطين ولا قِبَل لها بالوقوف في وجه جيش “لا يُقهر” وراءه أمريكا التي بيدها الحل بنسبة 99% ولا مناص من التوجه إلى قبلة البيت الأبيض، الداعي إلى “السلام”، وهو خيار “استراتيجي”، ويكفي أن تَطْرُقَ أسماعنا كلمة “سوف” فنعض عليها بالنواجد نحن، ومن سيتربع على العرش الذي سيقول ذلك ما ألفينا عليه ممن سبقونا.

وبفعل “إستراتيجية سوف” تُرك الفلسطينيون يكابدون العدو لوحدهم، إلى أن استُدرِج جزء منهم إلى معسكر “سوف” بدءا من العام 1993م. مآل أدى برئيس سلطتهم في رام الله عند زيارته لأمريكا إلى القول أمام رئيسها “بوش” في 26/07/2003م: “…أن السلطة جزء من حرب أمريكا على الإرهاب أينما كان ومهما كانت أشكاله” وأضاف: “… إن السلطة الفلسطينية تتعهد ببذل كل الجهود لإنهاء الانتفاضة المسلحة…لا يوجد حل عسكري لصراعنا، ونكرر إدانتنا للإرهاب والعنف ضد الإسرائيليين.” يعني في منظوره، أن المقاومة أدت ما عليها من دور، والدور إلى “سوف” لتحصد الثمار.

وبناء على “سوف” والإمساك بتلابيبها، انقاد العرب العام 2002 نحو “وهم السلام” نعم للتطبيع، فقط إن أمكن إعادة أراضي ما قبل حرب العام 1967، ولِمَ لا القدس الشرقية. مناشدة، تأتي في وقت أثبت ما يسمى “السلام” بين الكيان وكل من مصر والأردن، 1979 و 1994 على التوالي، أنهما لن يستطيعا أن يكونا بعده في حِل من التزاماتهما تجاه الكيان. ومن ثم، تحولا إلى تابعين مسلوبي الإرادة، وتقديم فلسطين قُربانًا له، وإلى صمام أمان للكيان، والتضحية بأشرف قضية عربية.

إن جل المواقف الدولية تتبنى موقف الدولتين كحل لتسوية الصراع، وقدمت خارطة الطريق العام 2005، لكن الأطراف الدولية تكتفي بتعبيرات هلامية عن ضرورة تحقيق حل الدولتين. أما الكيان، فظل يطالب فقط بالاعتراف به ومحاربة المقاومة، يلوح بقبول حل الدولتين، لكنه يرفض وقف الاستيطان والعودة لحدود ما قبل جوان 1967م وعدم التنازل عن القدس.

حين جاءت أمريكا “الترامبية”، لم تعد تتمسك بحل الدولتين كأساس لحل الصراع بين فلسطين والكيان والتوصل إلى اتفاق سلام بينهما، بل تصرح أنها تدعم أي اتفاق يتوصل إليه الطرفان أيًا كان شكله، وترفض اعتبار الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عائقًا أمام التوصل إلى اتفاق سلام، مما يعني، تقويض سنوات من المفاوضات منذ أوسلو، وترديد أمريكا لحل الدولتين طبعا من خلال “سوف” طيلة ربع قرن. أما “أفيغدور ليبرمان” فيقول بشأن فكرة السلام: “… إن كل من يقول إن هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق سلام شامل يتم في إطاره إنهاء الصراع، لا يدرك الواقع وينشر الأوهام”.

 مجمل القول، أن معظم الحُكام اعتكفوا على صنم “سوف”، بيد أن من اختلقوا الكيان لا يريدون أرض فلسطين وحسب، بل السعي إلى تحقيق الحلم الثاني للكيان، وهو إسرائيل الكبرى، ولِمَ لا ما دامت “سوف” استحالت الحلم الأول إلى واقع على الأرض، فقط يجب المزيد من ترويض المعتكفين على “سوف” والوقت، لقبولهم تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية أيا كانت الوِجْهَة والطريقة. وبالتالي، فالتغني بحل الدولتين، لم يكن سوى خداع تكتيكي، كونه لا يحدد جداول زمنية، وإستراتيجي، لأنه لا يحدد أهدافا وقواعد لهذا الحل. ولا شك أن كل الحكام يدركون ذلك، لكن ما دام البعض منهم، يهمه فَرَمانُ البقاء على العرش، لأنه الأساس حتى ولو على حساب الأوطان والانتماء والهوية، وهو ما يطمئن الكيان، ويرضي أمريكا التي تُدرك أنه كلما توطدت العلاقات بين هؤلاء الحكام والكيان، زادت إدارة الظهر لقضية فلسطين، ولا التفاتة إليها إلا عند استشعار أمريكا لما قد يمس بهيمنتها ومصالحها في المنطقة من قوى كبرى خارجية كانت، أو إقليمية، وعند ذاك تُطل فلسطين كبرق في وسط عتمة ليلها الطويل، وفي ظل أمة تجتر وتنام على أحلام ماض تليد، يكفي الآخر إعادة “سيمفونية” “سوف نعمل على إقامة دولة فلسطينية، والاعتراف بها، كما تم التصريح بذلك في هذا الأسبوع، وتداعت إلى

ذلك دُول الغرب جميعها، وبالتأكيد، سَيُساقُ المتربع على عرش أو جُمْلُكِية إلى “سوف – لا محالة، وسيكون دوره العمل على إجهاض فعل المقاومة – لا قدر الله –. أما الآخر، فسيستغل الوقت لخدمة الحلم الثاني المشار إليه سابقا.

 أخيرا، يُروى أن صرصورًا تجبر وباتت تخشاه الحيوانات المفترسة كالأسود وغيرها، حين الاستنجاد بها لوضع حد له. لكن عصفور الدوري اقترب منه ذات يوم والتقطه بمنقاره وابتلعه بكل بساطة. ذلك، ما انسحب على جيش الكيان الذي “لا يُقهر”، حيث جاء الطوفان – في ظل ولُاة أمر عصي على المتابع توصيفهم – ليقوض تلك الأسطورة التي عمل هؤلاء الحكام على ترسيخها في العقل العربي جيلا بعد جيل، وراح يرد عن فلسطين طوابير الأعداء الكفَرَة، ويعري سوءات “عرب تصهينوا”، حيث باتوا يناصرون العدو، ويألمون لموتاه، ويسارعون إلى معالجة جرحاه، ويهرعون برا وبحرا لنجدته وإطعامه، ويجهضون حصاره، من أشقاء لهم حاولوا رفع السيف عن أعناق الفلسطينيين، أما في غزة، فلا عينٌ رأت ولا أُذُنٌ سمعت. وما دامت هذه الأشكال – غير القابلة للتصنيف- موجودة في عالمنا العربي، فأنى للقس “فرانكلين جراهام” أن لا يتطاول على الذات الإلهية، حين كتب في جريدة “التايمز” بتاريخ 10/12/2001 قائلا: “…إن إله المسلمين ليس نفس الإله الذي يؤمن به المسيحيون إنه إله مختلف، وإنني أعتقد بأنه إله شرير، وأن الإسلام ديانة شريرة”. إنها نِعَم الفردوس الأرضي التي أعْمت بصر وبصيرة هؤلاء الحكام، وأنْسَتهم كيف كانت نهاية الملقب بدركي المنطقة حين استُهلك، فضاقت عليه الأرض بما رحبُت.

للمقال مراجع

مقالات ذات صلة