.. ما تعرفوش صلاحكم!
التسجيلات الجامعية انطلقت أمس، وعدد المعنيين نحو 400 ألف ناجح جديد في بكالوريا “التسريبات”، والملاحظ ككلّ سنة، فإن التخصصات والرغبات، تتحول إلى إشكالية مرهقة بالنسبة إلى الناجحين والأولياء معا، لكن الغريب وربما هذا هو الأصحّ، أن الأغلبية الساحقة من الآباء والأمهات يُريدون فرض خياراتهم وتصوّرهم للمستقبل على أبنائهم “القصّر”!
منطق “لن أريك إلاّ ما أرى”، هو الذي جعل الأولياء يُخاطبون أبناءهم بعبارة قاسية وأبوية مفادها: “أنا نخيّر لك.. أنت ما تعرفش صلاحك”. ولهذا أصبحت التسجيلات الجامعية معقدة ومدعاة للمشاكل والقنابل والتعقيدات والصراعات والتدخلات والوساطات و”التلفونات”!
هل فعلا الأبناء لا يعرفون اختيار التخصص الذي يُنجيهم في المستقبل ويضمن لهم وضعا مريحا ووظيفة محترمة؟ ألا يُمكن للأولياء أن يُخطئوا ويغلطوا أبناءهم ويضللوهم بخيارات “لم تعد تصلح لزمانهم”، أو هي أحلام الآباء وليست أماني الأبناء؟
الأكيد أن الأولياء لا يُريدون سوى الخير والراحة والنجاح لأبنائهم الناجحين في “شهادة العمر”، ولذلك يختارون بدلهم ويفرضون في أغلب الحالات رأيهم ولو باستعمال القوّة وأحيانا التوبيخ والتأنيب والعنف أيضا، وهم بذلك لا يكرهون أبناءهم، وإنما يعتقدون أنهم ملزمون بالتفكير عوضهم!
كم هو جميل أن يُفكر من يُحبّك بدلك، ويختار عوضا عنك، لكن قد يفشل هذا المحبّ في اختياره وخياره، فتتحمّل أنت وزر الخطإ وتدفع الثمن مستقبلا، وربما تندم على تنازلك عن حقك في تقرير مصيرك بعقلك ويدك، لكن في كثير من الحالات، يسعد الابن بعد نجاحه في المسار الدراسي وبعده المهني، لأنه ترك أباه يختار في مكانه!
صحيح أن كثرة التخصّصات والشُعب والرغبات “تدوّخ” الناجحين في البكالوريا، بمن فيهم المتفوّقون، وصحيح أن جهاز الكمبيوتر بوسعه أن يُخطئ وقد يظلم الطلبة الجُدد ويضرب طمأنينتهم وربما حتى إرادتهم في التفوّق والاجتهاد، وصحيح أن الأولياء يظلمون أحيانا أبناءهم باختيار تخصص يتلاءم معهم هم، رغم أن أبنائهم خُلقوا لزمان غير زمانهم!
من واجب الأولياء أن يُرافقوا أبناءهم في خياراتهم، ومن حقّ الأبناء أن يختاروا لأنفسهم ما يتلاءم مع قدراتهم ورغباتهم دون المساس بحلم أوليائهم، لكن كم هو جميل ومفيد للجميع، لو تمّ التوفيق بين هؤلاء وأولئك، حتى تكون المصلحة مشتركة، وبعيدة عن السفسطائية والنرجسية، ويكون بعدها النجاح حتما مقضيا ودون الإضرار بمنفعة أيّ طرف!
لكن، لا ينبغي للوليّ أن يتعسّف ويلبس فجأة برنوس الناجح في “الباك” ويلغي ابنه أو بنته، فتحصل الكارثة والعياذ بالله!