ما لم يقله قنديل في مذكراته
حين تقرأ مذكرات “عشت مرتين” للإعلامي المصري حمدي قنديل وتتوقف عند الفصل المتعلق بالجزائر المعنون بـ”في الجزائر، على ظهر عربة بطيخ” (1962 _ 2010) تجد في الصفحة الأولى ما يلي: “من أيام العز: أيام عبد الناصر وبن بلة، إلى أن أصبح بلد المليون شهيد – بالنسبة لنا – بلد المليون بلطجي، وجميلة بوحيرد أصبحت غانية في سوق الدّعارة، وفي الجزائر أصبح المصريون صهاينة وأعلامُهم ديست بالأقدام” -دون أن يوضع هذا الكلام بين قوسين، ودون علامة تعجب أو استفهام أو ينسب إلى من قاله- مختصرا 48 سنة من علاقته بالجزائر في 14 صفحة، فماذا يكون رد فعلك إن كنت جزائريا أو مصريا؟
هل خرجت أغاني الراي من الدعارة؟
يختصر حمدي قنديل الصراع في الجزائر بعد تشريعيات 26 ديسمبر 1991 في شخص الرئيس بوتفليقة بالقول: “كان عازما على تحقيق الوفاق في المجتمع الجزائري الممزق بين الميني جيب والجلباب الأفغاني“، وحينها تتساءل: هل تعمّد هذا الإعلامي أن ينقل هذه الصورة دون غيرها في مذكراته التي بيعت في المعرض الدولي للكتاب بسعر 2200دج؟
إن من يقرأ الصفحات التي خصصها للحديث عن “علاقته” بالجزائر كصحفي وكأحد ممثلي شركة استثمار، يكتشف أنه لا يتعامل مع الثورة في بُعدها العربي ولا في بعدها الجزائري، فمصر والجزائر في عزتهما هي (عبد الناصر وبن بلة)، وهو يذكرنا بما كتبه فتحي الديب (رئيس المخابرات المصرية) في كتابه (جمال عبد الناصر والثورة الجزائرية)، فهو يصف المجاهدين بـ“المقاتلين“، وقد وقع في مجموعة أخطاء كان يمكن تفاديها مثل القول: إن بوتفليقة تقلّد وزارة الخارجية 11 سنة، وأن صديقه الدكتور محيي الدين عميمور تقلّد منصب وزير الإعلام في عهد بومدين، وأن الجيش أجبر الرئيس الشاذلي بن جديد على “الاستقالة” عندما سلم بنتائج فوز الإسلاميين في الانتخابات التشريعية، وتتساءل هل هذه الأخطاء مقصودة؟
بوتفليقة بقي على رأس وزارة الخارجية أكثر من 16 سنة، وعميمور صار وزيرا في عهد بوتفليقة، والشاذلي اعترف بأنه استقال بإرادته.
ما استوقفني في هذه المذكرات ما جاء في (الصفحة 175): “أغاني الراي خرجت في الأساس من بيوت الدعارة، وعبارة (أدي…أدي) تعبّر عن تقديم المومسات للزبائن“، وأتساءل من أين جاءته هذه المعلومة؟ ولماذا لم يدقق فيها وهي تسيء إلى هذا النوع من الأغاني “الشعبية – الشبانية“، وتجانبُ التاريخ الفني للغناء في الجزائر؟ لستُ من هواة الراي، لكني ضد تشويهه، خاصة أنه يحتل مكانة مرموقة في عالم الفن العالمي، لا أعتقد أن حمدي قنديل يريد الإساءة إلى الفن الجزائري، وإنما لم يجهد نفسه في البحث عن معنى “الراي الجزائري“.
أما الرواية التي قدّمها حول الأزمة التي تسببت فيها كرة القدم في نوفمبر عام 2009 بين الجزائر ومصر، فتحمل الكثير من المعلومات الخاطئة؛ فهو يعتقد أن هناك “مؤامرة” على مصر في السودان، وأن الحرب الإعلامية اشتعلت بين البلدين الشقيقين بسبب عدم تدخل الرئيس بوتفليقة للمصالحة بين البلدين، بينما الحقيقة هي أنها مرتبطة برموز نظام مبارك من الإعلاميين المصريين الذين تحوّلوا اليوم إلى رموز للجنرال عبد الفتاح السيسي في حربه ضد الإخوان المسلمين.. فهل تجاهل قصة توريث الحكم في مصر، ومحاولة إقحام الرياضة لدعم هذه لفكرة في البلدين؟
إن الحرب الإعلامية بين الإعلام المصري التلفزيوني وبعض الجرائد الجزائرية لم تكن متكافئة، ولهذا كان تأثيرها على الشعب الجزائري أكثر، والدليل أن ما كان يسمى بـ“مجتمع السابعة” أو هواة ومحبي المسلسلات المصرية في الجزائر سرعان ما تحوّل إلى مقاطعة هذه الأعمال الفنية احتجاجا على ما كان يُبث في القنوات من حقد وعداوة ضد الجزائر.
لا أعتقد أنه بإمكان أي مصري عايش الثورة الجزائرية أو استرجاع السيادة أن يجرؤ على القول بأن “جميلة بوحيرد أصبحت غانية في سوق الدعارة“، هي التي يفتخر بها المصريون في أهم فيلم أنجز حولها لكونها رمزا من رموز الثورة.
بوتفليقة وقنديل والجزيرة
كشف حمدي قنديل أن بوتفليقة أهداه 10 كيلوغرام من تمر “دڤلة نور“، وتمنى لو أهدى له “مصالحة مع مصر“، ونقل عنه أن عبد الناصر هو الذي قال له: “ارفع راسك يا عربي” أثناء تسجيل مقابلة معه لصالح التلفزيون المصري وقد تأخر بثها بسبب اعتراض صفوت الشريف وزير الإعلام على بثها في حلقتين، ومع ذلك لم يغضب بوتفليقة وهو يدلي بحوار كرئيس لجمهورية الجزائر على القناة المصرية ولكنه لايزال غاضبا حتى الآن على قناة الجزيرة التي اقتضت المهنية فيها أن تقطع حوارا مباشرا معه قبل أن يصبح رئيسا لتنقل على المباشر حرب الناتو على يوغسلافيا.
كان قنديل مصرّا على لقاء بوتفليقة بعد الأزمة المصرية الجزائرية، فهل يفكر الآن في إجراء حوار معه؟ يؤكد في مذكراته (ص183) قائلا: “الآن لم أعد آمل في لقاء جديد معه (بوتفليقة)، وكل ما آمله أن يُشفى من المرض الذي أنهكه وأزعج محبّيه، بل أنه أقلق الكثير من الجزائريين، وأشفقُ في الوقت ذاته عليه إذا ما كان صحيحا ما تم تناقله من أخبار عن ترشحه لفترة رئاسية رابعة“، هذا الكلام قاله قبل نهاية العهدة الثالثة للرئيس، فماذا يمكن أن يقول بعد ذلك؟
تمنيت لو أن كاتبا مصريا واحدا يكتب مثل هذا الكلام عن السيسي أو كأن يقول: “تمنيت ألاّ يقود السيسي انقلابا على مرسي، وألا يُتهم الرئيس بالتخابر مع حماس في غزة“.
أتصور أن حمدي قنديل حين كتب الفصل المتعلق بذكرياته مع الجزائر لم يكن متحمسا للكتابة، وإنما كان يود إيصال رسالة إلى الأقطار العربية التي تعاطفت مع الجزائر أثناء أزمتها مع مصر، وأنه نقل “عتابا” بلغة جافة، وما يشعرني بالحزن هو أن كتابنا العرب لا يتجرّدون من “القطرية” حين يكتبون عن أزمة بين بلدهم وبلد آخر، فالذي يختار عنوان “في الجزائر، على ظهر عربة بطيخ“، يبدأ حديثه عن علاقته ببلد عربي عاش 132 سنة من الاستيطان، ويوم استرجاع السيادة والفرح لا يبقى في ذهنه سوى “العربة” التي ركبها وما حملته من “بطيخ“، وهي صورة موجودة في أغلب القرى المصرية، كان الأحرى به أن ينقل لنا معايشته للأحداث التاريخية يومئذ لا أن يقدّم صورة كاريكاتيرية لمسافة 500 كلمتر قطعها، ألم يغرِه مشهد الاستقلال والمجاهدين والزغاريد والاندفاع نحو “الزعيم” بالكتابة؟ فما أحوجنا إلى من ينقل الحقيقة والحقيقة فقط.