مبعوث الشروق إلى سرت عاش عشرة أيام من الإختفاء والقلق والرعب
وأخيرا .. ظهر مبعوث الشروق إلى ليبيا ياسين بن الربيع بعد 10 أيام من الإختفاء المرعب الذي أدخل عائلته وزملاءه في الشروق في دوامة من الاضطراب والرعب والتأويل!!.. نعم، ظهر ياسين بن الربيع بعيد مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي، بعد أيام وأيام من الحصار قضاها رفقة كوموندوس من الثوار قرر أن يرافقهم إلى داخل سرت في شجاعة نادرة، جعلت منه ربما على حد علمنا الموفد العربي الوحيد الذي عاش الأحداث واللحظات الأخيرة للزعيم القذافي وفلوله وكتائبه، وهو ينقلها لنا اليوم بتفاصيلها، مثلما عايشها إلى جانب كتيبة من كتائب الثوار الذين ساهموا في حمايته وإنقاذ حياته طيلة أيام الاختفاء..
-
ياسين بن الربيع، هذا الصحفي الشاب المغامر.. أوفدته جريدة الشروق إلى طرابلس أو كأقصى حد إلى المدن المحررة التي يسيطر عليها الثوار، ليقيننا أن ليبيا تعيش حربا شرسة لا مكان فيها للمغامرة، لكن مبعوث الشروق اختار الطريق الأصعب وصمم على اختراق الصفوف الأولى للثوار الذين كانوا يحاصرون سرت، واستطاع على مدار أيام أن ينقل لقراء الشروق ما يحدث على جبهة القتال في سرت من خلال تنقله بين سرت وطرابلس ليوافينا بمراسلاته، خاصة مع فقدان وسائل اتصال على الجبهة..
-
لكنه في يوم 11 أكتوبر الجاري تلقينا منه مكالمة حزينة يخبرنا فيها أن قناصة القذافي قد قتلوا أحد الحراس الذين كانوا يرافقونه.. حدث ذلك بين ناظريه، ليتلقى رسالة مفادها أنه يقترب شيئا فشيئا إلى منطقة الخطر.. وكانت تلك المكالمة هي الأخيرة إلى غاية أمس الجمعة، أين عاد ليتصل بنا بعد أن فك الله حصاره بمقتل معمر القذافي.. وطيلة 10 أيام من الإختفاء عاش زملاؤه في جريدة الشروق جحيما حقيقيا خوفا على حياته، فالرجل لا يتصل، وهاتفه معطل وإيميله لا يتحرك.. وعائلته المسكينة تضغط علينا بالسؤال اليومي المرعب “هل إتصل ياسين؟”.. لم نكن نملك الجواب الذي يقنع أم ياسين وأباه وإخوته، لأننا كنا نحن من يبحث عن الجواب الملح.. تحركنا في كل الاتجاهات وأبلغنا رسميا وزارة الخارجية بالتفاصيل، أين تم الاتصال بسفير الجزائر في ليبيا، والحقيقة أن جواب السفير زاد في قلقنا وغضبنا مما وصلت إليه الديبلوماسية الجزائرية من سلبية وتقوقع وخذلان، فالجواب الذي قدمه السفير للخارجية أنه فعلا إلتقى مبعوث الشروق أياما قبل إختفائه، حينها أخبر ياسين سفير الجزائر عن عزمه التوجه إلى سرت، لكن السفير إشتاط غضبا وحاول أن يلزم مبعوثنا بالبقاء في طرابلس، وقال أنه لن يتحمل مسؤولية أي مكروه قد يصيب مبعوثنا إذا حاول الإقتراب من جبهة القتال، وهو الكلام الذي قاله لنا شخصيا ياسين بن الربيع قبل أن يختفي.. لقد نسي السفير أن مبعوث الشروق هو صحفي أولا وأخيرا، وأنه مكلف بمهمة الوصول إلى الحقيقة فيما يجري في الشقيقة ليبيا.. ولم يستطع سفيرنا المحترم أن يصل إلى أي معلومة تخص مفقودنا طيلة 10 أيام من الإختفاء، ليدفعنا دفعا إلى البحث عن طرق أخرى لمعرفة مصير مبعوثنا، ولأن ياسين كان قد أجرى قبل اختفائه حوارا مع القائد العسكري لطرابلس عبد الحكيم بلحاج، فقد اتصلنا بنائبه ورئيس غرفة العمليات عبد المجيد مليقطة وأخبرناه أن الصحفي الذي أجرى ذلك الحوار قد اختفى، والحق يقال أن الرجل أخذ المعلومات اللازمة ووعد بالبحث عنه في كل أرجاء ليبيا، وكان يتصل من حين لآخر ليضعنا في صورة الجديد على عكس “صديقنا السفير”.. وطيلة تلك الأيام المرعبة كان الضغط يتزايد على الجريدة، فالعائلة تضاعف خوفها، وأصدقاء وزملاء المفقود يناقشون الاحتمالات بحسرة وألم، وحتى وسائل الاعلام داخل وخارج الوطن بدأت تضغط على الشروق لمعرفة مصير الرجل، ورفضنا طيلة الأيام الأولى لإختفائه أن يكون ياسين بن الربيع مادة إعلامية لأحد، حفاظا على حياته وعلى أعصاب وشعور عائلته وأصدقائه.
-
وبعد مقتل القذافي، انجلت الحقيقة وظهر ياسين متصلا بنا، معلنا عن وجوده حيا يرزق ليس في برج بوعريريج أين يسكن، بل في قلب سرت الليبية، أين كان محاصرا لأيام وأيام، وروى لنا هذا الرجل الشجاع كيف عاش الموت وقاومه وسط الثوار الذين شهد أنهم ساهموا في حمايته عندما قرر دخول المعركة في الصفوف الأولى للثوار، وهو قرار لم يجرؤ على اتخاذه كل الصحفيين المنتمين إلى وسائل إعلام عالمية وضخمة، لأن الوضع كان فعلا خطير.. روى لنا ياسين كيف نجا من الموت أكثر من 4 مرات، وكيف كان يحصي الجثث من حوله، ويتنقل رفقة الثوار من حي إلى آخر، روى لنا مأساة الإقامة والأكل والنوم والرعب تحت دوي القصف من الطرفين.. إلى أن جاءت لحظة الحسم حين قتل القذافي وتفككت كتائبه، حينها فقط استطاع زميلنا التحرر.. ليس ليسرع بالعودة إلى الأهل والوطن، ولكن ليطارد الحقيقة في سرت وينقل لقراء الشروق تفاصيل النهاية.. نهاية العقيد القذافي وفلوله على يد الناتو والثوار.
-
نعم، عاد ياسين سالما غانما، وقد أثبت لنا جميعا أن الشجاعة الحقيقية تظهر في الميدان، خاصة إذا كان هذا الميدان ميدان حرب.. فكم هو صعب وثمين أن يحمل الصحفي روحه على كفيه لينقل لقرائه الخبر اليقين..
