الرأي

متى نقرأ؟

الشروق أونلاين
  • 2909
  • 5

الصدمة العنيفة التي خلّفها موضوع الشروق اليومي، الذي شرّح المستوى التعليمي لبعض البرلمانيين الجدد عن كتلة الحزب العتيد، الفائز بالضربة الفنية القاضية على كل التشكيلات السياسية في سباق التشريعيات الأخيرة، لم يكن بسبب امتهان بعض النائبات مهنة التنظيف المحترمة ولا بسبب امتلاك آخرين لمستوى التعليم الإبتدائي فقط، وإنما بسبب تناقض هذا الواقع المرّ مع خطاب الرئيس الشرفي للحزب العتيد الذي ألقاه في سطيف ، واعتبره الكثيرون انطلاقة لجزائر يأملها الجميع.

فالرئيس شغل الناس بكلامه وأثلج صدورهم وهو يتحدث عن “الجنان” الذي “طاب” وقالها صراحة بأن الوقت قد حان لمنح المشعل للشباب، ومع ذلك اعتمد الحزب العتيد على الكثير من الذي بلغوا من العمر عتيا حتى أن أحدهم افتخر بعدد أحفاده وأبناء أحفاده الثلاثين فردا، وتحدث الرئيس أيضا عن أصحاب الشهادات والأكفاء، وطالب بأن يتم منحهم القيادة ليصدم الحزب الكبير الفائز الجزائريين ببعض من النواب الذين اتضح أن شهاداتهم الحياتية الوحيدة في مسارهم هي شهادة الإزدياد، ورغم أن التاريخ أبان بأن الدكاترة والمهندسين والقانونيين الذي تواجدوا في المجلس الشعبي الوطني، والذين حملوا الحقائب الوزارية لم يزيدوا الوضع إلا تأزما، ورغم أن التاريخ أكد أن الأزمة التي تعيشها الجزائر هي في الأصل أخلاقية قبل أن تكون علمية، إلا أن تحوّل تواضع المستوى التعليمي إلى قاعدة وليس استثناء كما هو حاصل في الكثير من البلدان التي تستعين بفلاحين وحرفيين في برلماناتها، هو الذي يجعلنا نخاف على أن يكون ما نعانيه من تحجّر في الأفكار وعداء للمتعلمين هو حالة مرضية مزمنة لا أمل في الشفاء منها، ولا نعلم الطريقة التي يمكن للآباء أن يقنعوا بها أبناءهم الذين اجتازوا هذا العام شهادة البكالوريا والمقبلين في السنوات القادمة، على مختلف الامتحانات لأجل أن يجتهدوا ويتميزوا ويتفوقوا في دراستهم، ونحن نقرأ عن الذين بلغوا مراتب عليا من دون شهادة البكالوريا، ومن دون حتى الشهادة الابتدائية، بينما تتهاطل عليهم أخبار المتفوقين الذين هاجروا بعد تهميشهم والذين أصيبوا بأمراض نفسية، وحتى الرد المحتشم الذي تفضل به بعض المحسوبين على جبهة التحرير الوطني، كان أقسى من الصدمة نفسها، حيث قال أن الحزب اعتمد على متواضعي المستوى لملء قوائمه وتفاجأ باكتساحه للنتائج مما يعني أن الحزب سار بالخطأ منذ بدايته ليجد نفسه في واقع أضرّ به أكثر مما نفعه، رغم أنه حقق انتصارا غير مسبوق في التشريعيات، ومن الصدف التي تمنينا أن لا تكون أن صحيفة الشروق اليومي نشرت في نفس العدد موضوعا عن لهفة الأولياء على أبنائهم الذين اجتازوا شهادة البكالوريا لأجل النجاح ودخول الجامعة، وعن المناصب العليا التي ذهبت للذين لم يحلموا حتى ببلوغ مستوى البكالوريا فما بالك النجاح فيها. في البرلمان الفرنسي يوجد فلاحون وفي البرلمان المصري يوجد بنّاؤون وفي مجلس الشيوخ الأمريكي، لا يوجد من له أقل من شهادة الدكتوراه من الجامعات الأمريكية طبعا، وفي كل الأحوال تبقى الأخلاق هي الأساس.. فقد تدافع منظّفة عن الأمة ولا يفعل من له عشرات الشهادات، والقراءة هي دائما تربية وتعليم كما سار على نهجها الشيخ بن باديس، والكارثة الكبيرة أن نفتقد الإثنين معا؟

مقالات ذات صلة