مصر لا تنام بسبب “فتنة الانقسام”
موقعة الاتحادية، هذا هو الاسم الجديد لحلقة المسلسل الدامي المستمر في مصر ما بعد الثورة، مشهد دفع ثمنه حتى الآن المئات من الضحايا، بينهم 6 إلى 7 قتلى، أكد بيان لحزب الحرية والعدالة انتماءهم له، في الوقت الذي لقي فيه أحد الصحفيين مصرعه، فمثّل هؤلاء وقودا لفتنة جديدة أو حرب أهلية بدأت ملامحهما ترتسم في أفق مسدود.
المشهد حول قصر الاتحادية كان مرعبا في الساعات الماضية، كرّ وفرّ بين أنصار مرسي وخصومه، هؤلاء استعملوا الفضائيات المعادية للإخوان كمنابر للقول إن “شباب الاخوان” جاءوا على متن سيارات وحافلات، مدججين بالأسلحة البيضاء والمولوتوف، بحثا عن تنفيذ مجزرة بحق الشباب القادمين من ميدان التحرير، والمعتصمين أمام قصر الرئاسة.. أحد القيادات البارزة في الإخوان، وهو سامح يسري قال عبر قناة الحياة: “شباب الاخوان لم يتحركوا إلا بعدما حاول المعتصمون مداهمة القصر واقتحام بوابته الرئيسة، كما أنهم هاجموا سيارة الرئيس، وذلك خط أحمر لا يجوز الموافقة عليه أو التعامل معه بسلاسة”!
غير بعيد عن لغة الاتهامات، خرج عصام العريان ببيان ناري يصف فيه مدبري موقعة القصر الرئاسي بأنهم “مجموعة من فلول مبارك الذين استعانوا بالمال الخليجي لتنفيذ مؤامرة ضد الشرعية”، في الوقت الذي كان فيه القيادي الناصري عبد الحليم قنديل ـ بكل جرأة ـ يدعو جميع الشباب المعتصم حول قصر الرئيس مرسي “إلى اقتحامه”.. فمرسي “لم يعد رئيسا… لقد فقد شرعيته تماما، وبات لزاما القبض عليه ومحاكمته بذات التهم التي كانت موجهة لمبارك وأركان نظامه”!
وأمام هذا المشهد الذي وصفه الشاعر البارز وأحد وجوه الثورة التي أطاحت بمبارك، عبد الرحمن يوسف، أنه لا علاقة له بالثورة تماما، بل هو صراع سياسي بين العلمانيين والإسلاميين، خرج الجيش ليؤكد مجددا “حياده التام”، وأن الحرس الجمهوري سيقوم بتنفيذ مهمته القانونية، وهي حماية القصر الرئاسي، وذلك في الوقت الذي “تمرّد فيه” السلك الدبلوماسي على عملية الإشراف على استفتاء الدستور المقرر أن ينتخب عليه المصريون المغتربون غدا السبت، ليضاف بذلك إلى تمرد آخر وانشقاق يكاد يصيب المؤسسة القضائية في مقتل، هذه المؤسسة التي تكلمت مجددا المستشارة تهاني الجبالي، نائب رئيس المحكمة الدستورية باسمها مرة أخرى، حين راحت تتحدث لجريدة لوفيجارو الفرنسية فتقول: “مرسي لا يعلم أنه يحكم بلدا ينهار بعد تعطل سلطته القضائية”.
من جهتها، دعت 20 حركة سياسية وحزباً جموع الشعب لتنظيم مسيرة مليونية سلمية حاشدة، اليوم، من ميدان التحرير عقب أداء صلاة الجمعة، والخروج بمسيرات شعبية سلمية حاشدة من مساجد وميادين القاهرة والجيزة، تلتقي بمسيرة التحرير أمام قصر الاتحادية، بالإضافة للتظاهر والاحتشاد السلمي فى كافة ميادين الثورة بمحافظات مصر، تحت شعار: “الدم المصري خط أحمر، وأن الشرعية للشعب وحده، وأن النصر للثورة مهما كانت محاولات اجهاضها وإرهابها”. فيما طالب مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر وهو أعلى سلطة فيه، أمس الخميس، الرئيس محمد مرسي بـ”تجميد الإعلان الدستوري، والدعوة لحوار وطني فورا”.
.
أخطاء وقع فيها مرسي و”جماعته” فتسببت في إشعال الحريق وتأليب المعارضة
يشير عدد كبير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين إلى أنهم كانوا مدركين تماما بأن الوصول إلى السلطة “غير النضال في صفوف المعارضة” فالأمران مختلفان تماما، وما التحديات السياسية الحالية سوى جزء من ذلك الإدراك الخطير!
هذا الأمر لم يجنّب الجماعة “المحظورة سابقا” من الوقوع في أخطاء “شبه قاتلة” استغلها خصومها التقليديون من أجل المناداة بإسقاط الرئيس المنتخب شرعيا.. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب الاسلامي البارز فهمي هويدي معلّقا على صدور الإعلان الدستوري الذي لغّم الأوضاع: إن الفكرة الجوهرية في الإعلان كانت هي قطع الطريق على توظيف القضاء لتحقيق المآرب السياسية. لكن الخطأ الجوهري الذي وقع فيه تمثل فى التوسع فى تحصين ما يصدر عن الرئيس ليس فقط من إعلانات دستورية أو قوانين وإنما أيضا من قرارات، وهو الخطأ القاتل الذي أثار الزوبعة وأشعل الحريق الذى يكاد لهيبه ودخانه يسد الأفق فى بر مصر. ويضيف هويدي: “إن التعامل مع مجمل الملف يبعث على الحيرة لسببين، أولهما أن مستشاري الرئيس لم يحاطوا علما بالصيغة التى تم إعلانها، بل إن فريق المستشارين الذين كلفوا منذ عدة أسابيع بإعداد مسودته فوجئوا بأن ما أعلن غير الذي قدموه، الأمر الذى أثار استياءهم ومنهم من عبر عن غضبه وطلب من الرئيس إعفاءه مما كلف به، وثمة جهد يبذل هذه الأيام لمعالجة ذلك الشرخ. السبب الثاني أن الرئيس فاجأ الرأى العام بالإعلان، ولم يحطه علما بالظروف التى استدعت إصداره، والمعلومات التى سبقت الإشارة إليها”.