الرأي

معركة دمشق: كاتب جزائري يمشي بين الجثث!

سهيل الخالدي
  • 6421
  • 5

بدأت معركة دمشق التي كانت المعارضة تتوعد بها النظام في مطلع شهر جويلية، وكانت مساحتها واسعة إذ طالت معظم أحياء المدينة وغوطتيها الغربية والشرقية وسهلها الجنوبي.

ولما كنت أسكن في بلدة بلدا الواقعة في السهل الجنوبي ملاصقة تماما لبلدات التضامن، الحجر الأسود، بييلا، ومخيم اليرموك التي تملأ نشرات الأخبار منذ مطلع الأزمة، عاشت بلدا تحت كل هذا القصف، ورغم حالة الرعب التي كنت فيها وكان فيها جميع أهل جينا الشعبي هذا إلا أنني تماسكت وقاومت مشاعر الخوف التي تثيرها أصوات الصواريخ وقذائف الدبابات والآربي جي والرصاص وانهيار المنازل والانفجارات وقمت بأمرين اثنين:

أولهما: تدوين ما أرى وما أسمع وما يحدث لي دقيقة بدقيقة، فملأت ثلاثة كراريس تمكنت من تهريبها معي إلى الجزائر وبالتأكيد سيأتي يوم النظر فيها.

ثانيا: اتصالي المستمر سواء من الملجأ الذي نقلنا إليه في إحدى المدارس، أو من أي مكان تصله تغطية الهاتف النقال، بزملاء وأصدقاء في الجزائر من مثقفين وإعلاميين، فظللت خلال الفترة أول جويلية حتى 26 أوت على اتصال مستمر بكل من د. مصطفى نويصر، أ. رابح خدوسي، الصحفي عبد العالي مزغيش، النائب حسن عريبي، المحامي في البويرة ساعد دالي شارف وغيرهم من الجزائر، وبعض الدول العربية والمهجر، وكانوا يسمعون أصوات القصف، وكنا نتبادل رسائل الـsms التي أسعى إلى تفريغها وكتابتها تحت عنوان “رسائل تحت النار” وهي بالتأكيد ستختلف عن عبد الحليم حافظ وأغنيته الشهيرة “رسالة من تحت الماء”، وهي القصيدة التي كتبها ابن دمشق الشاعر الشهير نزار قباني، والجدير بالذكر أن المثقفين من الأصدقاء السوريين في دمشق لم تكن هواتفهم تجيب، فلا الكاتب السوري المعارض فايز سارة الذي سبق وأن قضى سنوات في السجن، ولا الشاعر عبد القادر الحصني، ولا الطبيب خلدون مكي الحسن الجزائري، ولا آخرين غيرهم تستجيب هواتفهم النقالة أو المنزلية.. إنها تدق لكن لا أحد يرد ثم علمت أن بعضهم اعتقل، بل علمت بأني الكاتب الجزائري الوحيد الذي يعيش تحت هذه النيران.

والآن أرى من حق جريدة الشروق اليومي التي احتضنتني منذ وصولي مع زوجتي السورية بسلام إلى أرض الوطن، كما من حق القراء الذين اهتموا بما نشر في هذه الزاوية أن أقص عليهم بكل ما أستطيعه من موضوعية خلاصة 60 يوما قضيتها تحت القصف.

.

شارع الجثث

بدأت الحكاية مساء أول جويلية حين كنت في منزل أحد الجيران السوريين من أصول جزائرية وجاء أصغر أولاده ليقول إنه شاهد من الشرفة ملثمين يلقون بجثة في حاوية القمامة على طرف شارعنا – شارع المالكي- سوق الثلاثاء – المطفأة أنواره خرجت متسللا لأجد زوايا الشارع يشغلها مسلحون غطوا وجوههم ورؤوسهم بأقنعة سوداء، واقتربت بهدوء من تلك الحاوية لأجد جثة رجال وضعت عليها ورقة كتب عليها كلمة “عوايني”، وهي كلمة تعني عند الدمشقيين “الخبر السري المتعاون مع النظام”.

وفي مساء اليوم التلاي جاءت زوجتي مرتجفة مصفرة فقد ذهبت لتلقي كيس القمامة في حاوية الحارة فوجدت جثتي رجلين وضعتا داخلها بشكل متصالب. أما ظهر اليوم الثالث فقد تجمع رجال الحارة بصمت أمام العمارة الملاصقة تماما للعمارة التي فيها شقتنا؛ وعيون النساء المذعورة تراقبهم من خلف النوافذ، اخترق رجال الأمن باللباس الأسود جمع الرجال ودخلوا العمارة وأغلقوا بوابتها، وبعد بحوالي ساعتين خرجوا معهم جثة لفت بكفن وأدخلوها سيارتهم، ولم ينسوا أن يمنعوا دخول العمارة أو الخروج منها حتى اليوم التالي.. ثم تبين أن الجثة أخرجت من تلك الشقة التي يعرف كل سكان الحي أنها نقطة أمنية سرية للأمن السياسي يناوب فيها كل يوم رجل أمن.. وقد وجد هذا الرجل مذبوحا فيها.

وما أن أعلن في اليوم السادس عن هروب العميد مناف مصطفى طلاس إلى تركيا، (ثم تناقضت الأخبار عن مكان هروبه وسببه) حتى صرنا نرى الجثث في شارعنا جهارا نهارا تلقى من سيارات مسرعة.. والملاحظ أن أحدا من أهل الحي لم يتعرف على أي من الجثث التي كان معظمها إن لم نقل كلها منزوع الملابس أو ممزقة بحيث تبين عورات الرجال، وهي منتفخة وليس عليها آثار رصاص أو سلاح أبيض وحين أردت تصوير كومة جثث ملقاة في أول الشارع بهاتفي النقال،

– انتبه ليشوفك القناص فوق البناء.

جاءني صوت رجل شدّه الفضول، فوقف مثلي يتفرج على المنظر البشع، فأخفيت نقالي ومشيت.

لمن هذه الجثث؟ لا أحد يعرف

من أين جاء كل هذا العدد؟ لا أحد يعلم

من الذي قتل الرجال، لماذا يرمونها بهذه الطريقة، ولماذا اختاروا شارعنا بالذات؟ لا أحد لديه أية إجابة، وبعد أسابيع عرض التلفزيون الرسمي صور هذه الجثث، وقال إن “الإرهابيين” هم الذين قاموا بهذه المجزرة، وذكر رقم 40 ولكني أجزم بأني أحصيت أكثر من ذلك.. وقد شعرت وأنا أشاهد شارعنا المدمر والجثث المرمية فيه وكأني أتفرج على جثتي.. فتشت في ذاكرتي عن كتاب عرب أو أجانب كتبوا في هكذا مسائل، فوجدت بعض الذين كتبوا عن جنازاتهم، ولكني لم أجد بعد كاتبا كتب عن لحظة تفرج فيها على جثته ربما هي لحظة أقوى أو أشد ألما من لحظة الكتابة ومعاناتها!

.

الملجأ – الفخ

بدأ أهل الحي يغادرون بيوتهم إلى مناطق اعتقدوها أكثر أمنا.. وبعضهم مالبث أن عاد لأن القصف طال المنطقة التي لجأ منها الفلسطينيون في مخيم اليرموك وهو الشعب الذي صارت له خبرات تاريخية في التعامل مع اللجوء وأحواله، فتحوا بيوتهم للاجئين من حمص.. وهاهم يدفعون الثمن فالدبابات في وسط شارع اليرموك وشارع فلسطين وشارع الثلاثين من الشوارع الرئيسية في المخيم.. فصار لابد أن ينفذوا نصيحة محمود درويش في قصيدته الشهيرة لا مفر.

حاصر حصارك…… لا مفر

جاء مسلحون بثياب مدنية وأخذوا ينقلون الناس إلى مدارس في وسط مخيم اليرموك ومناطق أخرى لتكون ملاجىء لهم، وكانت زوجتي قد تطوعت لتساعد الناس في مدرسة اعتبرت ملجأ وسط بلدة بلدا.. رفضت الخروج من البيت، لكني اتصلت بها وطلبت إليها أن لا تعود وتظل في مكانها لأن القصف مستمر على شارعي المالكي والدعبول، وهما الشارعان اللذان تقع بينهما حارتنا.. ولكني وبت وحيدا في العمارة التي رحل سكانها جميعا بلا ماء ولا كهرباء ولا طعام أعد الصواريخ والقذائف.

وفي الصباح جاءت زوجتي متسللة بين الحواري والبيوت المهدمة، وأصرت على أن أنتقل إلى المدرسة – الملجأ- فاصطبحت معي جزءا من أجزاء كتاب الدكتور أو القاسم سعد الله “تاريخ الجزائر الثقافي” كنت أعيد قراءته قبل الأول من جويلية، وكتابا آخرا من كتب إدوارد سعيد، وبضعة كراريس وأقلام.

وكانت المدرسة الملجأ مكتظة بعائلات كرمت من مختلف مناطق جنوب دمشق التي طالها القصف وأصبحت تتصدر نشرات الأخبار، حاولت الحصول على مذياع فلم أنجح.. ومضت الأيام وأنا أسجل مشاهداتي.. وأحاول الاتصال بالسفارة الجزائرية، لكني “الستاندرتيست” الذي يأتيني صوت امرأة حينا وصوت رجل حينا آخرا وقف سدا منيعا فلا أحد موجود، لا القنصل ولا المستشار الثقافي.. لقد صار الاتصال بالسفارة هما من همومي فأنا رعية جزائرية أقيم بدمشق بموجب بطاقة مقيم أجنبي صادرة من وزارة الداخلية السورية ولدي بطاقة قنصلية صادرة عن السفارة الجزائرية، وبالتالي صار من واجبي أن أعلمها بمكان وجودي ووضعي، وصوت المحوّل الهاتفي اللعين يقف حائلا دون ذلك، رغم أني أقدّم له نفسي كما يجب وبقيت في الملجأ أدون وأقرأ.. وأستمع إلى قصص الهاربين.

وفجأة أنزل علم الهلال الأحمر الذي وضع على باب المدرسة، وبدأنا نرى شبانا مسلحين وشيوخا ملتحين سيطروا على كل شيء في المدرسة بما فيها المواد الغذائية والبطانيات والأدوات التي يحضرها أهل البلدة التي تعيش تحت القصف فقلت لزوجتي أننا لسنا لاجئين بل أصبحنا رهائن بيد شباب الجيش الحر، وسيصبح وضعنا أكثر صعوبة.. وسألت زوجتي أحد المتطوعين معها فقال لها إن الهلال الأحمر انسحب من هذه المدرسة والمدرسة الأخرى المجاورة التي احتلها أئمة مساجد البلدة، مشكلين لجنة قيادة ومنها يقودون المعركة مع جيش النظام في هذه البلدة التي يعرف أهلها بتربية الأبقار وبيع الحليب الطازج.

وفي مساء أحد الأيام اهتز أبناء المدرسة بعنف، وساد الهلع والخوف، ليعقبه اهتزاز آخر.. تذكرت ماجرى في بومرداس عام 2003 حيث كنت والزميل صلاح الدين الأخضري من أوائل الصحفيين الجزائريين الذين هرعوا إلى المكان، وتذكرت بعض ما رأيته في البويرة والعاصمة خلال العشرية الدموية، والأكثر من ذلك أني تذكرت ما جرى لي ولوالدتي في الأردن خلال سبتمبر أيلول 1970 حيث كنا مع المقاومة الفلسطينية التي اشتبكت مع الجيش الأردني الذي قصف كل شيء يتحرك ودمر بيتنا المتواضع في مدينة الزرقاء.. فقلت في نفسي هل سأكتب كتابا عنوانه “ذاكرة الدم” فالدم هو كل مايذكره الإنسان العربي منذ مائة عام أو يزيد؟!

انجلى غبار الانفجارين اللذين سببا الاهتزازين ليتبين أن فرقة الأمن السياسي المحاذية للمدرسة قد أخلت مقرها ومن العناصر والأسلحة والوثائق وفجرته عن بعد.

حاولت عدة مرات خلال وجودنا في الملجأ التسلل إلى البيت أو إلى وسط البلدة وأطرافها وفي المرات القليلة التي أنجح فيها أرى شبانا مسلحين وبثياب مدنية لايمكن معرفة هويتهم هل هم من ميليشيا النظام “الشبيحة” أم جيش المعارضة الذي يسمي نفسه الجيش الحر وكلهم يحملون نفس نوع الأسلحة الروسية ويحتلون الزوايا الحساسة في الشوارع وأعالي المباني، وأرى الأبنية مهدمة خاصة تلك التي فيها عيادات ومجمعات طبية أو صيدليات كمجمع الذهبي الطبي، وبصعوبة بالغة كان بالإمكان العثور على حانوت مفتوح أو غير محترق في أحد الأزقة..والمدهش في كل هذا أن جنود الجيش يغلقون بكل آلياتهم منافذ البلدة.

على تلك الحيطان وأبواب المحلات المغلقة تدور حرب خفية وسط ظلام الليل أسميتها “حرب الرجل البخاخ” إذ نجد كتابات لشعارات بالأصبغة التي “تبخ” بالضغط من وعاء صغير وكانت تلك الشعارات ترد على بعضها البعض، فهذا شعار يقول “ارحل يا بطه” وبطه هو الاسم الذي أطلق على الرئيس منذ خطابه أمام مجلس النواب، وبجانبه شعار يقول: “الأسد أو نحرق البلاد” وأعتقد أني سأخصص مقالا لحرب الرجل النجاف فحتى شركة الإشهار خصصت مواقع إشهارية كثيرة في وسط دمشق تحمل شعارات النظام.

ولما زاد الخطر وصارت الاشتباكات أمام المدرسة الملجأ قررت المغامرة بحياتي.. وانتهزت فرصة هدوء وتسللت إلى البيت، وجدت الكهرباء قد عادت، فكتبت على حاسوبي رسالة للسفير صالح بوشه أعلمته بمكان وجودي وظروفي وأن أحدا في السفارة لا يجيب وفي المرة الوحيدة التي نجحت في الحديث مع أحد موظفيها كانت مع مديرة مكتبة السيدة كوليت التي تعمل في السفارة منذ حوالي ثلاثين سنة وتعرفني جيدا، وقد أبلغته وضعي.. فلماذا لاتتصل يا سعادة السفير؟

وبعد أن كتبت الرسالة بحثت مطولا عن محل فيه جهاز فاكس وتمكنت من إرسال تلك الرسالة.

.

العودة إلى الجزائر

طوال تلك الفترة لم أكن أفكر بالعودة إلى الوطن لأني لا أملك بيتا وليس من المعقول أن أعود إلى دار المسنين في باب الزوار، كما كنت قبل 2008 لأن لي الآن زوجة..وحين اتصل بي سفير صالح بوشه بعد ذلك الفاكس مقترحا العودة إلى الجزائر أعلمته بأني لا أملك سكنا، فرأى أن يقدم لي مائة دولار غامرت زوجتي بالذهاب إلى السفارة في حي الروضة “12 كلم تقريبا” لاستلامها وعادت وهي في حالة يرثى لها.. وقد استغلتها فورا بالحصول على مذياع.. حتى نعرف ماذا يجري في العالم حولنا..

لكن الموقف اختلف فقد أعلمني الصديق والي شارف ساعد باتصال من البويرة أن الدولة الجزائرية خصصت مخيما للاجئين من سورية وأن الخطوط الجوية الجزائرية أجرت تخفيضا على التذاكر من سورية.

هنا صار عندي أمر العودة إلى الجزائر قابلا للدراسة، وصار موضوع محادثاتي مع الأصدقاء من المثقفين والإعلاميين الجزائريين.. وانتقل الأستاذ رابح خدوسي إلى عين المكان وأكد الخبر وصرت هما من همومهم كيف يخلصونني من الجحيم الذي أنا فيه..

لكن الجحيم ازداد اشتعالا فالمدرسة الملجأ لم تعد آمنة.. فعدنا إلى البيت حيث قررنا أنا وزوجتي الموت فيه.. وحين وصلناه بصعوبة وجدنا كل شيء حولنا ميتا، الجثث في الشارع والبيوت مهجورة.. وقضينا أياما.. وجاء الفرج برسالة sms من مصطف نويصر يقول فيها راجع نائب السفير فقد تحدث معه الأخ محمد النذير بولڤرون مدير جريدة صوت الأحرار بشأن تسفيرك إلى الجزائر..

وقررنا المغامرة من جديد وذهبنا إلى السفارة وفي الطريق توقفنا الحواجز العسكرية وتدقق في بطاقاتنا.. ثم دوى انفجار.. إنه مبنى الإذاعة والتلفزيون!! فغير السائق الاتجاه إلى طرق فرعية واستقبلنا الحاج عمر استقبالا فيه كل النيف الجزائري.. كانت زوجتي صائمة فالشهر رمضان وجاء لي بالماء وهدأني روعي وأعطاني رسالة للخطوط الجوية الجزائرية بخصوص التذكرة المجانية وأعطى زوجتي عشرين ألف ثلثي قيمة تذكرتها.. وحدثنا عن المآسي التي تسببها هذه الحرب للأسر الجزائرية حتى أن المبلغ المخصص لمساعداتها على وشك النفاذ نهائيا.. وحدثني عن الهلع الذي أصاب ابنته الصغيرة حين تم تفجير مبنى الأمن القومي المحاذي لمنزله..

شكرنا الحاج عمر نائب السفير وذهبنا إلى الخطوط الجوية فتلاعب بنا مومني مديرها وسكرتيرته ووجدنا أكداسا من المسافرين..

ثم بدأ يتلاعب بنا الأمن السياسي للحصول على تأشيرة خروج.. خاصة تأشيرة زوجتي السورية واتصل بها الضابط المدعو مالك عدة مرات، وفي كل مرة يطرح الأسئلة ويعيدها.. ولم نتمكن من السفر في موعد الحجز.. وكان علينا أن نراجع الهجرة والجوازات والمدعو مالك يعيد الاتصال إلى أن سألها:

لماذا تسافرين إلى الجزائر؟

– أسافر مع زوجي الجزائري

.

ومن هو زوجك

– إنه فلان

.

هل هو الكاتب؟

– نعم

.

– آه عرفته.. راجعي الجوازات غدا..

وفي الغد ذهبنا.. كان أخر يوم في عطلة العيد ولما وصلنا دائرة الجوازات أبلغنا الشرطي أن قرار الحصول على تأشيرة الخروج ألغي للجميع وتم ختم الجوازات..

ذهبنا مسرعين لحجز موعد جديد للسفر بدل الذي تم إلغاؤه، فطلبوا منا مبلغا لا نملك حتى ثلثه فاستنجدنا بأحد المعارف واستلمنا التذكرتين بموعد جديد هو يوم 26 أوت/ آب.

وبصعوبة ارتضى سائق تاكسي نقلنا إلى المطار بعد أن سلمنا مفتاح الشقة لأحد الجيران من أصول جزائرية.. كان سائق محقا.. فالقذائف لاحقتنا حتى أبواب المطار تقريبا..

في داخل المبنى يحدق رجل الأمن في الجوازات ويسأل عن موافقة الأمن السياسي على الخروج فنقول له: إنهم أبلغونا بالإلغاء مع ذلك فهذا ختم الموافقة على الجواز.. يصدق ولا يصدق ويقلب صفحات الجواز عكسا وطردا.. ثم يبدأ تفتيشنا حتى النخاع ونصل إلى قاعة الانتظار ونرى المدرج فارغا لا طائرة تقلع ولا طائرة تهبط.. تجىء الجزائرية. ندخل.. وأشد من أزر زوجتي فهذه أول مرة تسافر فيها خارج بلدها.. وهي تشد من أزري فقد بدأ السكر عند يرتفع..

وأخيرا وصلنا مطار الدار البيضاء.. كنت أفكر في كيفية وصولي إلى المخيم في سيدي فرج، ما اسمه، ماهي الإجراءات المطلوبة و.. و.. تقدم مني رجل وأنا أدفع العربة ليقول لي:

– أهلا وسهلا أستاذ ابن عم مصطفى نويصر..

– أهلا بك يا أخي

عند حاجز المستقبلين وجدنا الدكتور نويصر والسيدة حرمه والأستاذ رابح خدوسي في انتظارنا..

تريدون أن تعرفوا ما الذي جرى لي في تلك اللحظة.. لقد تنفست كما لم أتنفس منذ أن ولدت قبل سبعين عاما..

ثم تلقتني عصافير الوطن د. فضيل بومالة، د. رزاقي. د، مصطفى رميلي، أ. علي فضيل، السائحي، مزغيش، وآخرون وهاهم ينظمون أنفاسي، وبدأت أذني تنسى دوي المدافع، وتزول من أمام عيني مناظر الجثث.

مقالات ذات صلة