الرأي

معركة طوفان الأقصى لم تنته بعد!

غير صحيح، أن الاحتلال الإسرائيلي تَمكَّن من الانتصار في غزة، وأن المقاومة فقدت جميع أوراقها التفاوضية، ولم يبق أمامها سوى نزع سلاحها والاستسلام، وأن معركة طوفان الأقصى قد انتهت.

المسألة الأساسية التي ينبغي تسجيلها أن جيش الإبادة الصهيوني لم يتوقف عند الخط الأصفر الحالي رحمة بالفلسطينيين، ولا بحثا عن السلام، إنما لأنه لم يعد يستطيع. لم يُبق وسيلة قتل إلا استخدمها، ولم يُبق أسلوب تجويع وحصار إلا وطبَّقه، بل، ومازال إلى حد الآن، يشن الغارات اليومية، ويقتل الفلسطينين بالعشرات، دون أن يتوقف خارج الخط الأصفر، ولا في الضفة الغربية! وذات الشيء يقوم به في لبنان، مواصلة احتلال الجنوب، وقتل وتشريد أبنائه بكافة الوسائل، والضغط على حكومته لقَبول الاستسلام التام. والمنهجية ذاتها مطبقة تجاه إيران: لا هدنة ولا توقيف حرب. لو كان بإمكان الصهيوني مواصلة الحرب المباشرة وتخريب جميع منشآت إيران لَفَعل دون تأخير! ولو كان بإمكانه احتلالها بالكامل لفعل أيضا. ليست هناك عقيدة صهيونية مبنية على التعايش، العقيدة الصهيونية قائمة على نفي الآخرين وإلغائهم واستعبادهم على أوسع نقاط من منظور عنصري تاريخي لا يقبل الجدال، تَتفِّق في ذلك مع غلاة اليمين المتطرف في الولايات المتحدة والعالم، الذين لا يترددون في الإفصاح عن نظرتهم المتعالية عن الشرق المؤيدة لإخضاعة بالقوة، ودون حدود لاستخدام هذه القوة. ولو استطاعوا لورّطوا بلدانهم في حروب لا تتوقف من أجل تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” والهيمنة على العالم.

هذه هي الحقيقة التي ينبغي الانطلاق منها لفهم ما تقوم به المقاومة في غزة اليوم، أو ما يقوم به الإيرانيون للدفاع عن بلدهم. لو كانت المسألة مسألة تعايش وقبول الأطراف لبعضها البعض، بما في ذلك قَبول احتلال جزء من فلسطين، مقابل السلام، لانتهت العداءات ولحل السلام في المنطقة بكاملها. الواقع المر يقول إن هناك طرفا يريد أن يُحقِّق أهدافه دون أن يسمح بتحقيق أي من أهداف الآخرين، وإن اقتضى الأمر إحداث خراب كلي بالمنطقة وضربها حتى بالسلاح النووي. لاحظنا ذلك على مسار العقود الماضية، منذ احتلال فلسطين. مَن الطَّرف الذي يتنازل عن حقوقه ويقبل بالتسويات بحثا عن إنهاء حالة العداء وتوقيف الحروب؟ بكل تأكيد هو الطرف الفلسطيني والطرف العربي والطرف الإسلامي! أما الطرف الصهيوني، فلا يتوقف عن البحث عن مزيد من السيطرة والهيمنة والإخضاع وحتى الاستعلاء؟ هل حدث تطبيع فعلي للعلاقات مع الدول التي تنازلت عن مواقفها واعترفت بالوجود الإسرائيلي؟ هل توقفت آلة الاحتلال عن ضم الأراضي والسعي للسيطرة على كافة فلسطين والتحضير للتوسع أكثر نحو تحقيق إسرائيل الكبرى؟ لم يحدث ذلك، بل إن كافة الدول المطبِّعة إنما تعاني باستمرار من مطالب الكيان بمزيد من الضمانات ومزيد من التنازلات ومزيد من الخضوع.

في ظل هذا الوضع، ينبغي علينا النظر إلى ما تقوم به المقاومة الفلسطينية في فلسطين وفي لبنان وفي إيران وفي اليمن. إنها تصمد وتكافح بكافة الوسائل وتمنع الاحتلال من أن يصل إلى ما يسميه دائما بتحقيق الاستسلام التام. وما دامت قائمة على هذه المسألة، فإنها مازالت منتصرة. إن الأمر لا يتعلق بنفاد الذخيرة أو العتاد أو القوات المحاربة أو ضعفها أو تراجع قدراتها على الهجوم، إنما في بقاء إرادة المقاومة لديها، بما تملك من إمكانيات، وذلك هو دليل النصر الحقيقي.

لقد استشهد القائد البطل، يحيى السنوار، ولكنه قبل ارتقائه إلى بارئه قذف بما لديه من أدوات المعركة في وجه الطائرات المسيرة التي كانت تقصفه، مُعلنا أنه من رفات الشهداء ومن رماد المعركة تنبعث إرادة الانتصار القادرة وحدها على مواصلة المسيرة. وذلك الذي يحدث اليوم في فلسطين ولبنان واليمن وإيران: العدو يعرف أنه قَتَل ودمَّر وخرَّب وجعل الأرض رمادا، ولكنه يعرف أيضا أنه لم ينتصر على إدارة أصحاب الحق المدافعين عن أرضهم وعرضهم ونسائهم وأطفالهم، إلى آخر رمق، إن كانوا على أرض المعركة وحتى وهم مُكبَّلون بالسلاسل والأصفاد وتحت التعذيب في سجون الأعداء… معركة طوفان الأقصى لم تنته بعد.

مقالات ذات صلة