ملتقى فكري دولي عن “الطاهر وطار” في مارس للرد على “شارلي ايبدو”
في سنة 2013 زرنا مقر جمعية الجاحظية، وكان رئيسها محمد تين يومئذ يعدُّ العدة تحضيرا لتنظيم ملتقى الطاهر وطار الدولي الثاني بولاية غرداية، وكان من المنتظر أيضا أن يتزامن ذلك مع الإعلان عن الفائز بجائزة مفدي زكريا العربية للشعر، لكن ذلك لم يتم لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقا.
بعد عام من الإعلان عن هذه التظاهرة، عدنا إلى خليفة الطاهر وطار الدكتور محمد تين ليستعرض لنا الآفاق المقبلة للجاحظية وبرنامج عملها، لكن الذي تغير هو الوجه الذي ظهرت عليه الجاحظية بعد مرور أكثر من أربع سنوات على رحيل مؤسسها الطاهر وطار، ولم يكن خافيا ذلك الشحوب الذي بدت عليه هذه الجمعية التي رفع مؤسسها شعار “لا إكراه في الرأي” لتبدو ملتقى لكل القناعات الثقافية والفكرية، وبالفعل كانت طوال السنوات التي ظل فيها الطاهر وطار رئيسا لها، وهنا يؤكد الدكتور محمد تين أن الجاحظية تعاني من جهة قلة الميزانية، إن لم نقل انعدامها، ما جعل ذلك ينعكس على حالة المقر المتردية، ناهيك عن عدم قدرة الجاحظية على أن تكون قبلة للمثقفين بنشاطاتها الثقافية، وهذا هو السبب الأساس الذي يجعل منها جمعية ثقافية مع وقف التنفيذ…
ضعف الميزانية وراء التأجيل
ظل الروائي الجزائري الطاهر وطار طوال مسيرته الأدبية والثقافية مناضلا، وما تأسيسه لجمعية الجاحظية بوسط العاصمة إلا تتويجا لمسيرة طويلة من العطاء الأدبي. وعندما رحل الطاهر وطار إلى الدار الباقية سنة 2010، خلفه على رأس الجاحظية رفيق دربه الدكتور محمد تين، وخلال هذه السنوات التي أعقبت رحيل الطاهر وطار لم يتأخر محمد تين في البحث عن طريق واضح لإكمال المسيرة التي بدأها الطاهر وطار.
في حديث أجريناه مع الدكتور محمد تين رئيس جمعية الجاحظية بمقر الجمعية أخبرنا “أنّ جمعيته تعكف حاليا على مواصلة التحضير لملتقى الطاهر وطار الدولي الثاني الذي كان من المقرر أن تحتضنه مدينة غرداية سنة 2013، وهو الملتقى الذي عرف طبعته الأولى سنة 2011، لكن هذه الطبعة الثانية أُجّلت بسبب عدم وجود ميزانية كافية لتنظيمه..”، وأضاف الدكتور محمد تين “..لقد أجّلنا هذه التظاهرة كما أجلنا معها توزيع جائزة مفدي زكريا العربية للشعر بعد أن تلقينا الأعمال الشعرية المشاركة من كل البلدان العربية وعددها 80 عملا شعريا، لكن مراسلة تلقيناها من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة تخبرنا أن وزارة الثقافة لم ترصد ميزانية تسمح بتمويل الجائزة، فما كان منا إلا أن قمنا بتأجيل التظاهرة تحت طائلة عدم قدرتنا على الحصول على ممولين لهذه التظاهرة، وكنا أيضا قد تلقينا رسالة من وزارة الثقافة تتأسف فيها الوزارة على عدم إمكانية تمويل الملتقى بالنظر إلى نفاد ميزانيتها التي خصصت كلها لإحياء الذكرى 51 للاستقلال التي صادفت سنة 2013، فاضطررنا إلى تأجيل التظاهرتين ملتقى الطاهر وطار وجائزة مفدي زكريا والعزم على تنظيمهما هذه السنة“.
الطاهر وطار يحلُّ ضيفا على المكتبة الوطنية
كشف الدكتور محمد تين أن ملتقى الطاهر وطار سينظم أيام 17 و 18 و19 مارس من هذا العام بالمكتبة الوطنية بالجزائر العاصمة وهذا حتى تكون نهايته متزامنة مع اليوم المشهود الذي يعدُّ علامة تاريخية فارقة في تاريخ الشعب الجزائري، وهو ذكرى 19 مارس الموافقة لوقف إطلاق النار بين جبهة التحرير الوطني والحكومة الفرنسية إيذانا باستقلال الجزائر.
وأكد خليفة الطاهر وطار أن “..مجيء وزيرة الثقافة الجديدة السيدة نادية لعبيدي خلفا لخليدة تومي أدى إلى تفهُّم الوزيرة الجديدة موضوع المساعدات المقدمة لجمعية الجاحظية التي أصبحت أفضل مما كانت عليه من قبل..”، وأضاف محمد تين بأنه “..منشغل بوضع اللّمسات الأخيرة على الملتقى الفكري الدولي الطاهر وطار في دورته الثانية، وسيُخصّص لموضوع “المثقف وقضايا الأمة“، بعدما تناولت الدورة الأولى التي جرت فعالياتها بالمركز الثقافي عز الدين مجوبي بالجزائر سنة 2011، موضوع الأعمال الروائية للطاهر وطار، وتكون خلال شهر مارس المقبل، وتكون متزامنة مع الإعلان عن الفائز بجائزة مفدي زكريا العربية للشعر، وهي الجائزة التي أطلقها الراحل الطاهر وطار في حياته“.
نأسف لعدم تنظيم الملتقى في غرداية
تأسف محمد تين لعدم تمكن جمعية الجاحظية من تنظيم ملتقى الطاهر وطار مثلما كان مقررا له بمدينة غرداية سنة 2013، وهذا تجسيدا أولا للسياسة الجديدة التي رسمتها هذه الجمعية الثقافية، مثلما أكد لنا رئيسها محمد تين، حيث اختارت الجاحظية أن تخرج بفعالياتها إلى كلّ ربوع الجزائر ولهذا، كان من المقرر أن تحتضن ولاية غرداية ملتقى الطاهر وطار الثاني، ويتمّ الإعلان عن جائزة مفدي زكريا العربية للشعر من هذه الولاية التي تُمثل مسقط رأس هذا الشاعر الجزائري الفذ، لكن الظروف المادية الصعبة بالنسبة للجمعية حالت دون ذلك. وينوي خليفة وطار على رأس الجاحظية، أن يذهب بهذه السياسة إلى أبعد الحدود في السنوات المقبلة من خلال إخراج أغلب نشاطات الجمعية إلى بقية ولايات الجمهورية، وثانيا اعتبر محمد تين أنه “..لما اقترحنا تنظيم ملتقى الطاهر وطار بولاية غرداية سنة 2013 تحت عنوان “المثقف وقضايا الأمة” كان ذلك بحجة أن هذه الولاية من الولايات النائية وهذا لكسر تركيز النشاط الثقافي في العاصمة فقط من جهة، ومن جهة أخرى لكون أن هذه الولاية تجمع بين مذهبين وهما المذهب السني والإباضي، وليكون هذا الملتقى فرصة للمثقفين من أجل إجراء حوار يتماشى ومقتضيات ما يجري في هذه المنطقة من أحداث، وكنا نريد أن ننهج مسلكا توحيديا للتقريب بين أتباع هذين المذهبين، ولو حدث وتم تنظيم هذا الملتقى بغرداية لكان من الممكن تفادي تلك الأحداث المأساوية التي كانت غرداية مسرحا لها..”.
وكشف محمد تين عن قائمة الأساتذة الجزائريين والأجانب الذين حدّدت اللجنة العلمية للملتقى مشاركتهم، وأبدوا موافقتهم على الحضور، على رأس هؤلاء الدكتور العوفي من المغرب، عبد المجيد الربيعي عراقي مقيم بتونس، محمد العليان من الأردن وآخرون، إضافة إلى 16 أستاذا مشاركا من الجزائر.
وعن موضوع الملتقى يؤكد محمد تين “اشترطنا لتناول التزام المثقف بقضايا الأمة أن يُعرّج المتدخلون في هذه الفعاليات على موقف الطلبة الجزائريين سنة 1956، عندما اختاروا مغادرة مقاعد الدراسة والالتحاق بالثورة، كتعبير منهم عن أقصى درجات الالتزام تجاه قضايا أمتهم، وتأتي بعدها مسائل المثقف والخصوصيات الثقافية مع تقديم نماذج عن مثقفين عُرفوا بالتزامهم“.
جائزة مفدي زكريا العربية للشعر
نشأت جائزة مفدي زكريا مع ميلاد الجاحظية، وبدأت جزائريةً محضة، ثم تطوّرت إلى المستوى المغاربي، لتصبح سنة 2007 جائزة عربية وكانت سنوية، غير أنّها نُظمت كل سنتين بدءا من دورتها العربية عام 2009. وفاز بهذه الجائزة اثنان وستون شاعرا وشاعرة من مختلف البلدان العربية، وتوّجت الجاحظية الجائزة المغاربية، بملتقى شعراء جائزة مفدي زكريا المغاربية للشعر الذي انعقد في نوفمبر 2007 في إطار تظاهرة الجزائر عاصمة للثقافة العربية.
عن جائزة هذا العام يقول خليفة وطار “تمّ الإعلان في الصحف عن الدعوة إلى المشاركة حتى تتاح الفرصة لأكبر عدد من الشعراء الجزائريين والعرب. أما عن قيمة الجائزة فبلغت 500 ألف دينار جزائري، ما يعادل 6 آلاف دولار أمريكي، تكفل بتمويلها الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وقد بلغت المشاركات الشعرية 80 عملا شعريا من كل البلدان العربية على اعتبار أن هذه الجائزة هي جائزة موجهة إلى الشعراء من كل البلاد العربية..”.
منشورات الجاحظية
كشف محمد تين بأنّ “نشريتيّ القصة والقصيدة توقّفتا في عهد المرحوم الطاهر وطار، أما المجلة التي عُرفت بها الجاحظية، وهي “التبيين“، فهي مستمرّة في الصدور، مع أننا قرّرنا توقيف مطبعة الجاحظية لعدم صلاحيتها، لأنها تشتغل منذ سنة 1993، وقد طبعنا العدد الأخير من مجلة التبيين لدى الشركة الجزائرية للطباعة، وبعد هذا العقد الموقّع مع هذه الشركة، تعود هذه المجلة إلى الصدور بانتظام باعتبارها مجلة فصلية. وبشأن النشر دائما يرى رئيس الجاحظية، “أنّه بالرغم من توقُّف مطبعة الجمعية، إلا أنّ النشر مستمرٌّ تشجيعا للأدباء الشباب، ونحن نحاول من خلال الاتفاقية التي عقدناها مع إحدى دور النشر الخاصة كما أسلفنا، تجسيد هذا الدعم، خاصة وأنّ الجمعية معفاة من دفع الضرائب، والمؤلف الذي يطبع عندنا، يستفيد من نسبة بين 30 و35 بالمائة، مقارنة بالطبع لدى دور النشر الأخرى.
اشتغل الروائي الطاهر وطار من خلال جمعية الجاحظية، على مشروع ثقافي متكامل، لذلك لم يقتصر اهتمامه على فن من فنون الأدب، ولكنّه صبّ جهده ووزّعه على أكثر من صعيد، فبعث جائزة الهاشمي سعيداني للرواية، ولهذه الجائزة قصة طريفة رواها لنا محمد تين كالآتي “..عندما أسّس المرحوم الطاهر وطار جائزة الهاشمي سعيداني للرواية، خصّص لها عائدات عام من كراء شقة كان قد اشتراها تقع بساحة أول ماي بالجزائر العاصمة، وحصل على هذه الجائزة في دورتها الأولى والأخيرة في حياة وطار، الروائي سمير قسيمي عن روايته “تصريح بضياع” سنة 2010.
ميراث الطاهر وطار وتظاهرة قسنطينة
ربما يقف السؤال الأهمّ عالقًا، وهو ذلك المتعلق بآثار الطاهر وطار الروائية، وما هي الإستراتيجية التي تعتمدها الجاحظية للاهتمام بهذا الإرث الأدبي، هنا يجيب خليفة وطار “.. تعرفون أنّ آخر عمل كتبه المرحوم الطاهر وطار وهو على فراش المرض كان “قصيد في التذلل” وطُبع، لكن للأسف توزيعه في الجزائر يكاد يكون محدودا أو منعدما، وقلَّما تجد مثقفا جزائريا يملك نسخة عن هذا العمل الذي هو جدير بإعادة الطبع، لأنه يطرح مسألة علاقة المثقف بالسلطة، هذا بالإضافة إلى مجموعة من القصص القصيرة منشورة بالصحف، وجديرة بإعادة النشر أيضا، ونحن على الأقل نفكر في إعادة طبع رواية “الزلزال“، وهي من الأعمال الروائية الأولى للطاهر وطار، في إطار احتفالية قسنطينة باعتبارها عاصمة للثقافة العربية سنة 2015، والرواية تتضمن وصفًا دقيقًا لمدينة قسنطينة عمرانًا وثقافةً وأنفاحًا“.
ويطرح محمد تين فكرة “إعادة طبع أعمال الطاهر وطار بجدية تلبيةً لاحتياجات القارئ الجزائري أولا، والعربي ثانيًا، خاصة إذا علمنا أنّ مئات الطلبة والباحثين يزورون مقر الجاحظية باستمرار بحثًا عن نسخ من أعماله، وقد سلّمناهم كلّ ما لدينا، وتعلمون أنّ أعمال الطاهر وطار مُقرّرة ضمن مناهج الدراسات العليا في الجامعات الجزائرية، وهذا واجبٌ نحو القارئ الجزائري، قبل أن ننهض بواجبنا نحو القارئ العربي“.
وقد قامت الجاحظية بتنظيم ندوات شهرية وكانت البداية مع موضوع “العربية والأمازيغية.. وطن واحد قضية واحدة“، تبعتها ندوات ناقشت عددًا من قضايا الراهن الجزائري والعربي.
كما تحاول الجمعية توسيع نشاطاتها في اتّجاهين بالتركيز على تجاوز الحواجز القائمة بين مختلف القطاعات الثقافية، وهذا من خلال تأسيس نوادي متخصّصة، وقد تمّ تنصيب عدد منها الموسم الماضي على غرار نادي الشعر بأنواعه الفصيح، الشعبي، الأمازيغي، نادي السينما، نادي المسرح، نادي الإعلام، نادي الفنون التشكيلية، ناد أحباب الكتاب، وقد اقترحنا على وزارة الثقافة في هذه الإطار إصدار نشرية تضم قراءات شهرية لأهم الإصدارات التي تنشرها دور النشر لتشجيع القراءة وربط القارئ بالكتاب بصفة دورية مستمرة، كما تعكف الجاحظية على تأسيس نادي التلاميذ المبدعين وهذا بالتواصل مع مديرية التربية للجزائر العاصمة..
شارلي إيبدو عمل مفبرك
اعتبر محمد تين أن عملية شارلي إيبدو التي كانت باريس مسرحا لها لم تكن سوى عمل مفبرك إلى درجة ما، وأضاف “..نحن على يقين بعد ما حدث بعد 11 سبتمبر وما انجر عنه من غزو للعراق وأفغانستان، أن هناك تشابها بين السيناريوهين..، ونحن كمثقفين علينا إبراز الخيط الأبيض من الأسود ونحن من خلال هذا الملتقى نهدف إلى دعم العمل الفكري والثقافي حتى لا ننجرّ إلى السكينة المطلقة أو الغفلة المطلقة، أو إلى الانحراف والتطرف، خاصة إذا علمنا أن إستراتيجية الشرق الأوسط الجديد تستند إلى الفوضى الخلاقة ومن ثم الالتزام بإعادة إعمار هذه البلدان بملايير الدولارات بعد تخريبها..”.