ممنوع على أقل من 18 سنة؟
عندما تتحوّل مباريات الكرة في الجزائر إلى هاجس أمني تستعد له وزارة الداخلية كما تستعد لمواجهة بارونات المخدرات ولصوص الآثار بنشر الآلاف من الرجال المسلحين والكاميرات لتأمين مرور تسعين دقيقة من اللعب بأمان، فالأحسن توقيفها بقرار فوقي لا طعن فيه، يعفينا شرّ القتال في معركة نعلم جميعا أننا في أحسن الأحوال لن نكون فائزين فيها.
ما تقوم به إدارة ملعب الخامس من جويلية ومديرية الأمن بالجزائر العاصمة هذه الأيام من استعدادات لتأمين مباراة الدور النهائي لكأس الجزائر يؤكد أن اللعبة لم تبق إسما على مسمى، وتحولت إلى قنبلة موقوتة تتنقل من مكان إلى آخر، وإذا كانت مقابلة دور نصف النهائي بين وفاق سطيف واتحاد الحراش جنّدت عشرة آلاف شرطي لضعف العدد من المناصرين، وإذا كانت مقابلة شباب بلوزداد بشباب قسنطينة في نفس الدور قد شلّت عاصمة الجزائر من أجل بلوغ الدور النهائي، فمعنى ذلك أننا أبعدنا كرة القدم عن مرادف اللعبة وعن مجال الرياضة، وأدخلناها عالم المخاطر أو ما يسمى اللعب بالنار.
دول كثيرة في العالم أصغر منا جغرافيا، وأقل منا إمكانيات مادية، ومنها جيراننا يتنافسون لأجل احتضان دورات عالمية، من كأس إفريقيا إلى كأس العالم وجلب السياح وعائلاتهم وأبنائهم، بينما مديرو الملاعب في الجزائر بما في ذلك ملاعب العاصمة صاروا يترجّون الأولياء بأن لا يتركوا أبناءهم يذهبون إلى الملاعب خوفا على حياتهم، حتى ولو تعلّق الأمر بمباراة يسميها التلفزيون الحكومي ووزير الرياضة ووالي الولاية بالعرس الكروي، وعندما تمنع طفلا من حضور عرس فإنك تُبلّغه رسالة مفخخة ستعقده مدى الحياة وتُفهمه بأن اللعب والفرح دم وعنف، خاصة عندما يعلم أن هذا العرس نهائي كأس الجزائر، وموعده يوم عيد العمال، ومكانه ملعب أشبه بالمتحف يحمل إسم ذكرى استقلال بلاده، وضيوفه رئيس الجمهورية وتجري أحداثه أمام أنظار الملايين داخل وخارج الوطن.
ليت الأمر توقف عند هذا الحد المؤلم، بل تعداه إلى أمور أخطر عندما تحوّلت مباريات الكرة في الخارج إلى هاجس في الداخل، فصار اللعب هناك والمشادات هنا، والفوز هناك والخسارة على طول الخط هنا، والأمل هناك والألم كاملا هنا، ولو علم نادي برشلونة وريال مدريد ما صارت تفعله مبارياتهما في الجزائر من مآس، فربما فكرا في التوقف عن ممارسة اللعبة.
قرأنا في بعض الصحف أن أنصارا من مدينة بالهضاب العليا سيتوجهون إلى ملعب الخامس من جويلية لأجل تمني هزيمة وفاق سطيف في النهائي، وأن أنصارا عاصميين قرّروا دخول الملعب أيضا لتمني هزيمة شباب بلوزداد، وهو أسلوب حياة جديد لا مشجعين فيه، بل الكثير من الحاقدين والشامتين الذين لم يكفهم الداء الذي نخر البلاد، فراحوا ينقلون الفيروس إلى كل مجالات الحياة بما في ذلك اللعب، ندخل المسجد فنستمع الأدعية اللاعنة للآخر أكثر من الأدعية الداعية لنا، وندخل الأسواق فنشاهد الأسعار الحارقة للآخر أكثر من الراحمة لنا، وندخل المدارس فنرى الأحقاد أكثر من الحب، وقد نذهب في العاشر من ماي إلى صناديق الاقتراع فنجد من ينتخب لفلان انتقاما في الآخر، ومن يقاطع الانتخابات تشفيا في الناخبين، ويتحوّل السؤال الأزلي الذي كان يُطرح على الأطفال “من أحب الناس إلى قلبك” إلى “من تكره أكثر؟“.