الرأي

من السلفية إلى الإلحاد؟

عدة فلاحي
  • 5955
  • 44

من أخطر القضايا المطروحة للنقاش على مستوى النخب الدينية والفكرية في عالمنا الإسلامي، هي قضية الإيمان والكفر، بل هي محل نقاش وتجاذب حتى داخل دائرة ومساحة الإيمان نفسه، فكل فرقة إسلامية تدّعي أنها الفرقة الناجية وغيرها إما هي على ضلالة أو هي على كفر، أما مسألة الإلحاد فهي مسألة من السهل الحكم على صاحبها بالردة والقتل، وبالخصوص إذا أعلن المعني عن ذلك جهرا وصراحة في أقواله وكتاباته، ولكن السؤال المطروح هو ماذا لو لم يتبن المفكر أو الكاتب أو الفيلسوف مبدأ الإلحاد كعقيدة، وإنما هو ما يتوصل إليه الرقيب الديني ويستنتجه من قراءاته وتأويلاته للنص، وقد يكون في ذلك مخطئا أو متحاملا لسبب من الأسباب، أو حتى فاقدا لجميع الأدوات والحقائق التي تجعله يصدر فرمان الإلحاد أو الكفر، كما تعامل سارق الصحوة هذه الأيام مع بعض الشخصيات العامة في الجزائر، علما أن القضية هي جد حساسة، ومتعلقة بعلاقة العبد بربّه إلى آخر نفس يتنفسه المرء.

 قد يتساءل القارئ لماذا الحديث حول هذا الموضوع وطرحه من جديد، وبهذه الصيغة وبهذا الشكل، والسبب بسيط وهو أن العالم العربي في السنوات الأخيرة، شهد حراكا قويا لدرجة أنه دفع بالشعوب إلى ضرورة إعادة صياغة دساتيرها من جديد، وإذا كان الدستور الجزائري ينص على حرية المعتقد، فإن الدستور المصري كما يقول الدكتور ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، والتي كانت شريكة في صياغة الدستور المشؤوم، يقر بأن حرية المعتقد مطلقة، ومن أن ممارسة الشعائر وبناء دور العبادة فهي محددة بحكم القانون، وهذا مقيّد بأصحاب الديانات السماوية فقط، ولكنه في نفس الوقت، وفي حوار له مع جريدة الشرق الأوسط منذ أسابيع قليلة، يطلب برهامي، من الإخوان المسلمين القيام “بمراجعات فكرية، لأن القيادة الحالية للإخوان تنتهج نهج خلاف أهل السنّة والجماعة، صراحة في مسألة الإيمان والكفر”، وأمام هذا الاتهام الخطير والمتجنّي، يجب التذكير أيضا أن العديد من المراجع الدينية بما فيها السلفية التي تعارض سياسة حزب النور، سبق ولا زالت تتهم قيادة حزب النور، وفي مقدمتهم الشيخ برهامي، بالخروج عن تعاليم الإسلام لدرجة الكفر، و هذا لمساندتها الانقلاب على حساب الشرعية أو البيعة، ولموافقتها على الدستور الكفري المعدل كما ترى هي ذلك، إذن نحن أمام فوضى في الأحكام لا يجوز القول فيها بأن”من اجتهد فأصاب له أجران ومن أن من اجتهد وأخطأ له أجر”، لأن الخطأ هنا له تداعيات ونتائج وخيمة لا يمكن جبرها بسهولة، وبالخصوص إذا سالت فيه الدماء التي أضحت رخيصة هذه الأيام وللأسف.

بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل عملاق الأدب العربي، عباس محمود العقاد، تحدث ابن شقيق العقاد، لجريدة المصري بتاريخ 12 مارس 2014، بأنه بصدد جمع بعض مقالات عمّه عباس، التي لم تنشر حتى تصدر في كتاب، ولكن ما تفاجأت له هو قوله “بأنه نادم على أنه لم يرفع دعوى قضائية ضد مرشد الإخوان مهدي عاكف، في حينها لما اتهم العقاد بالإلحاد وهو الذي ألف 13 كتابا عن الإسلام، ثم يضيف وبذلك يعني الإخوان بكلامه “العقاد لم يحرّض على القتل، و لم يقتل كما فعلوا، الملحد من يقتل المسلمين”، هكذا مرة أخرى وفي مشهد مماثل يرمى الإلحاد ويوزع وكأنه لعبة طاولة، والحقيقة أنني بحثت في حدود ما أستطيع عن تفاصيل قصة مهدي عاكف، مع العقاد والإلحاد فلم أجد لها أثرا، وبالتالي فمن وصله انشغالي المقلق هذا فليتكرّم بالبحث معنا على دواء القلق المعرفي، وبالخصوص لما يتعلق الأمر بقامة مثل مرشد الإخوان السابق مهدي عاكف، وصاحب العبقريات الأديب عباس محمود العقاد ـ رحمه الله ـ والذي أخذ عليه البعض قوله: (الشعر من نفس الرحمن مقتبس // والشاعر بين الناس رحمان) ..، ربما يكون هذا البيت الذي أعلى فيه من شأن الشعر والشاعر، هو السبب في رميه بالإلحاد ممن لا يتذوقون الشعر وفنونه!. 

إذا صح ما نسب للعقاد فالأمر ليس جديدا، فهذا رفيق دربه عميد الأدب العربي، طه حسين، لم يسلم هو الآخر من هذه التهمة كذلك و التي بقيت تطارده منذ صدور كتابه “في الشعر الجاهلي” إلى أن لقي ربه، رغم أن الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ قد زكى إيمان صاحب “على هامش السيرة”، والأمر نفسه يصدق على صاحب “من تاريخ الإلحاد في الإسلام” الفيلسوف عبد الرحمن بدوي ـ رحمه الله ـ، ولكن التكفيريين كعادتهم يصرون على محاكمة الغير وكأنهم قضاة نصبتهم المحكمة الإلهية بالنيابة، يدخلون من يشاؤون ويطردون من يشاؤون من رحمة الله التي وسعت السماوات الأرض، كما قال تعالى ذلك عن نفسه، دون تثبّت أو حتى تنصيب محاكمة عادلة إذا جاز لنا قول ذلك، وفي هذا السياق أتفق تماما مع الأستاذ محمد خطاب، من جامعة مستغانم، حينما طالب في مقاله” النقد وعار التاريخ” بتشكيل محكمة دفاع تاريخية ضد كل المصلوبين والمنبوذين والملاحدة الذين تمت تصفيتهم بفتوى أفتاها فقيه السلطان، الذي لا عبرة له بالجوهر، وهنا أجدني مضطرا للتعقيب على الدكتور خالد آل رحيم، الذي لم يكن رحيما وهذا عندما قطع يقينا بكفرية الدكتور عبد الله القصيمي، ففي مقاله المنشور بموقع الإسلاميون يوم 8 فبراير 2014، بعنوان” القصيمي، هوى أدى به إلى الكفر”، يتعجّب من النهاية التي وصل إليها الدكتور والعالم السعودي القصيمي (1907 / 1996)، فبعدما بدأ سلفيا مدافعا عن الدعوة الوهابية، وعن الإسلام من خلال كتبه العديدة بداية من “الفصل الحاسم بين الوهابيين و مخالفيهم”، و”الثورة الوهابية” إلى كتابه الرائع “الصراع بين الإسلام والوثنية”، الذي قال فيه الشيخ بن باز، بأنه بهذا الكتاب قد دفع مهر الجنّة، ينتقل بسبب العجب بنفسه في كتابه “هذه هي الأغلال” إلى الكفر بالله ولم يتوقف آل رحيم، عند هذا الحد بل يتهم القصيمي، بأنه تحول إلى مجالسة الغانيات ومعاقرة الخمر، وارتكاب الفواحش وقد بقي على هذا الحال إلى أن توفاه الأجل سنة 1996، والغاية من وراء عرض هذه السيرة المختصرة لرجل قامة مثل القصيمي، يقول آل رحيم هي “تنبيها لنفسي ولإخواني من عاقبة الهوى والحسد و التعالي والأنا”، ولكن أسأل لماذا عرض آل رحيم، شخصية القصيمي بالذات كنموذج، ولماذا لم يتحدث ودون تعصب مذهبي عن الأسباب الحقيقية التي دفعت القصيمي إلى الإلحاد، ولماذا يريد أن يستغفلنا لنصدّق روايته المبتورة بهذه السهولة، رغم أن هناك رواية مغايرة تشهد بها السيدة آمال عثمان، المسؤولة الإدارية عن قسم كبار السن في المستشفى الذي كان يعالج فيه القصيمي، في حوار لها لمجلة “إيلاف” تقول فيه بأن المرحوم القصيمي، كان كثيرا ما يجالسنا و ينصحنا بالعيش بأخوة وسلام بعيدا عن الضغائن، ومن أنه قال لنا “بأن الله يراقبنا من فوق وعلينا أن نتطهر من الحقد والحسد، ومن أنه كان يقضي وقته في قراءة القرآن الكريم الذي كان بجانبه طيلة إقامته في المستشفى، وكان في بعض الأحيان يقرأ القرآن الكريم بصوت مرتفع ويرتله ترتيلا”، إذن أي الروايتين أقرب إلى المنطق و الواقع، هل هي لكاتب لم يلازم المرحوم القصيمي، إلى آخر لحظة من حياته ومع ذلك حكم عليه بسوء الخاتمة، أم هي لشاهدة كانت عاملة بالمستشفى تجالس المرحوم حتى لقي ربّه، وبعيدا عن ذلك هل من الحكمة والشرع ترجيح كفّة الكفر والإلحاد، أم كفّة الإيمان الذي هو بين أصابع الرحمن، وفي كل الحالات يمكن القول أن المفكر القصيمي، فعلا قد كفر ولكن ليس بالله وإنما بالسلفية الوهابية التي اعتبرها ظاهرة صوتية تعبّر عن الذهنية العربية المتخلّفة التي ضيّعت الإنسان و الأرض، وفي مقدمتها الأراضي المقدسة.

 

(*)   كاتب وبرلماني سابق 

مقالات ذات صلة