من سيقيم النواح على ساركوزي؟
يستعد نيكولا ساركوزي لمغادرة الرئاسة الفرنسية إن لم تحدث معجزة في فرنسا. ومن الواضح أن الفرنسيين من أصل مغاربي لن يبكوا على هزيمته…
قدم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الكثير لشخصيتين فرنسيتين من أصل مغاربي، رشيدة داتي وفضيلة عمارة. واختار ساركوزي امرأتين ليضمهما لحكومته لما كان الجدال قائما حول وضع المرأة في العالم الإسلامي، وكلف إحداهما بوزارة أساسية في فرنسا، وهي وزارة العدل، قبل أن تصبح السيدة داتي رمزا من رموز سياسة ساركوزي تجاه الفرنسيين من أصل مغاربي.
وقبلهما، كان السيد عزوز بقاق قد دخل حكومة دومينيك دي فيلبان، بينما سبق لرئيس الحكومة الأسبق ألان جيبي أن عين السيد حملاوي مكاشرة في حكومته. والمعروف عن السيد مكاشرة أنه من أصل جزائري، وأنه كان ضابطا في الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير، وأنه قضى فترة من الحرب على خط موريس بالحدود الشرقية في محاربة جيش التحرير الوطني، وأنه قدم أمام البرلمان الفرنسي القانون الذي يمجد الاستعمار…
ولم يتميز الوزراء الآخرون بسلوك أحسن من السيد مكاشرة. وقد كان السيد عزوز بقاق يبدو الأكثر رزانة لأنه باحث جامعي محترم، لكنه شارك في حكومة يمينية، ثم انتقل ليناضل في حزب من الوسط مع فرانسوا بايرو، قبل أن يعلن عشية الانتخابات الرئاسية في فرنسا أنه سيصوت لصالح مرشح اليسار فرانسوا هولاند. وأعلنت السيدة فضيلة عمارة عن نفس القرار، بينما بقيت رشيدة داتي وفية للرئيس ساركوزي، لكنها تصرفت مثل عجائز “الدار الكبيرة”، حيث خلقت مشاكل عديدة داخل الحزب الحاكم في فرنسا، ودخلت في مواجهة مع رئيس الحكومة فرانسوا فيون
لكن هذه الحكايات لا يمكن أن تخفي حقيقة واحدة: إن اليمين الفرنسي هو الذي فتح باب الحكومة للفرنسيين من اصل مغاربي، بينما لم يعين اليسار الفرنسي أي وزير من أصل مغاربي منذ 1981، رغم أن الجالية المغاربية برزت سياسيا واجتماعيا مع وصول اليسار إلى السلطة، ورغم أن هذه الجالية كانت كثيرا ما تصوت لصالح اليسار الفرنسي. ورغم زين الدين زيدان وما قدمه لصورة فرنسا، فإن اليمين هو الذي وضع المغاربة في الصف الأمامي.
وقضى التدخل الفرنسي في ليبيا على ما تبقى من مصداقية ساركوزي لدى السلطات الجزائرية، حيث فرض الرجل قتل حاكم عربي، مما اعتبره معظم الحكام إهانة لهم.
لكن هل تكفي هذه الظاهرة لتحديد سياسة الجزائر والجزائريين تجاه الانتخابات الرئاسية الفرنسية؟ لا شك أن الجزائريين المقيمين بفرنسا لا يعطون لهذه النقطة أهمية كبرى. عكس ذلك، إنهم يذكرون أن نيكولا ساركوزي يستعمل خطابا قبيحا تجاههم، ويستعمل مصطلحات تجعل منهم المسؤولين الأساسيين عن الأزمة الفرنسية، كما أن ساركوزي قاد الحملة التي أعطت عن الإسلام والمسلمين صورة سلبية. ويعتبر الكثير من المغاربة أن ساركوزي ساهم كثيرا في نجاح اليمين المتطرف بتنظيمه ما سماه نقاشا وطنيا حول “الهوية الوطنية”، وهو النقاش الذي تحول إلى منبر لاتهام الإسلام والمسلمين بكل العيوب.
والحقيقة أن الفرنسيين من أصل مغاربي والمغاربة المقيمين في فرنسا ينتظرون هزيمة ساركوزي، ويعتبرونها انتصارا لهم ولكل المحرومين في فرنسا. وبالمقابل، يظهر فرانسوا هولاند وكأنه يمثل القيم اليسارية التقليدية التي تسودها الإنسانية والتضامن مع الضعفاء، خاصة أن فرانسوا هولاند يجد مساندة من زعيم جبهة اليسار جان لوك ميلانشان، الذي قاد حملته الانتخابية للتنديد باليمين المتطرف، وقال بصريح العبارة إن الغرب أخذ من العرب الطب والرياضيات، وهو اليوم بحاجة إلى العرب لبناء مستقبله.
هذا عن الشارع الجزائري. أما من جانب السلطة، فإن موقفها الرسمي هو ألا يكون لها رأي لأنها ستكون مضطرة على التعامل مع الفائز مهما كان اسمه. وكانت السلطة الجزائرية في الماضي لا ترفض التعامل مع اليمين، خاصة أن اليمين الفرنسي يتميز بخطاب معاد للتنظيمات الإسلامية الراديكالية والمجموعات المسلحة. لكن تجربة السنوات الأخيرة أكدت أن نيكولا ساركوزي رجل يتكلم كثيرا، ويعلن عن المشروع تلو المشروع، مثلما حدث مع اتحاد البحر الأبيض المتوسط، غير أنه لا يعمل على الأمد الطويل، ولا يعرف الرزانة، ولا يمكن لأحد أن يقوم رفقته بمشار طويل، بل إن ساركوزي كثيرا ما يأخذ الأفكار الإيجابية الجيدة فيقتلها بسبب سوء التعامل معها.
وقضى التدخل الفرنسي في ليبيا على ما تبقى من مصداقية ساركوزي لدى السلطات الجزائرية، حيث فرض الرجل قتل حاكم عربي، مما اعتبره معظم الحكام إهانة لهم. وأدى تصرف ساركوزي إلى انهيار ليبيا رغم تحذير الجزائر، ونتج عن المغامرة توزيع كميات هائلة من السلاح في الساحل الإفريقي، وتقسيم مالي، وسيطرة عدم الاستقرار على الحدود الجزائرية من كل الجهات، و في نهاية المطاف تهديد أمن واستقرار كل المنطقة. وكان الكثير ينتظر من وزير الخارجيته ألان جيبي أن يعطي منحى آخر للسياسة الخارجية الفرنسية على طريق ديغول، لكن جيبي ظهر ضعيفا، وهزمه برنار هنري ليفي الذي فرض وجهة نظره على السياسة الخارجية الفرنسية في الأزمة الليبية. وأصبح جيبي يشبه برنار كوشنار، ذاك الوزير الذي يجتمع الشارع الجزائري والرسميون الجزائريون ليعتبروه رمزا للخيانة والخدعة، كما أنهم يريدون أن ينسوه مثلما يريدون أن ينسوا ساركوزي وعهدته الرئاسية.