مواطنون ينفقون الملايين في الخارج لعمليات جراحية متوفرة في الجزائر
تشهد مصالح الولادات ولادة عديد الأطفال بشلل على مستوى الأطراف العلوية وهو ما يدخل أولياءهم في دوامة من الحيرة فيختار معظمهم التوجه إلى تونس أو فرنسا للخضوع للجراحة المجهرية، غافلين أن هذا التخصص موجود في الجزائر والتي تعد في طليعة الدول العربية … “الشروق” قصدت أحد المختصين في هذا المجال للإطلاع أكثر على هذه الجراحة النادرة.
أكد الدكتور نوارة نسيم أخصائي في جراحة العظام والمفاصل وجراحة الكسور، اليد والأطراف العلوية والجراحة المجهرية للأعصاب وشلل الأطراف العلوية، يعمل في مجال الجراحة منذ 10 سنوات، أن الجزائر تعد في طليعة الدول العربية في مجال الجراحة بالمجهر خصوصا في جراحة “الضفيرة العضودية“، فبالرغم من انعدام التكوين محليا في هذا المجال لكون هذا التخصص حديث عالميا فقد ظهر منذ 30 سنة، إلا أنه وبعد إنهائه التخصص في الجزائر واصل دراسته في فرنسا وأجرى عدة تربصات في البرازيل، الهند، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية على يد كبار المختصين في العالم، زيادة على مشاركته في عدة مؤتمرات دولية وقدم فيها أعماله العلمية.
600 عملية للأطفال المصابين بشلل الأطراف العلوية
أوضح المختص والذي سبق له أن عمل في مستشفى المدية لمدة 3 سنوات، أن شلل الأطراف العلوية عند الأطفال المولودين حديثا في صدارة الجراحة المجهرية للأعصاب حيث يجرون مابين 500 إلى 600 عملية سنويا، وهناك حالات أخرى تتطلب مثل هذه العمليات كتمزق الأعصاب جراء استعمال أداة حادة وتكون في الغالب سكين أو زجاجة، فتستدعي تدخلا جراحيا لتصليحها وتمس غالبا شريحة الشباب، حيث يسجلون مابين 100 إلى 200 عملية سنويا، واستطرد المختص أن هناك عوامل في جراحة الأعصاب تلعب دورا مهما منها عامل السن لأن عصب الشاب يلف بسرعة وأحسن من شخص يفوق 40 سنة، كما أن المدة بين الحادث وتصليح العصب مهمة جدا، فكلما تأخر في الخضوع لعملية التصليح المجهري للعصب كلما قلت فرصة الشفاء مبكرا لذا تمنح لهذه الأولوية على مستوى المستشفيات.
وأشار المختص أن أصعب العمليات المجهرية وأدقها هي العملية على مستوى “الظفيرة العضودية“، مستطردا أن بعض أنواع الشلل تحدث عند الولادة أو في حوادث الدراجات النارية تكون على مستوى الرقبة، الذراع والصدر لإعادة الحركة جزئيا أو كليا للأطراف العلوية، أما شلل الأطراف السفلية فيختلف، حيث ينتج عن حوادث في العمود الفقري أو خلل في النخاع الشوكي.
10 مختصين في الجزائر ويتوجب تخصيص طبيب في كل ولاية
اعترف الدكتور نوارة أن عدد المختصين في الجراحة المجهرية للأعصاب لا يفوق 10 ممن يتمتعون بالكفاءة والخبرة لكون هذا التخصص حديث على المستوى العالمي والمحلي، والمستشفيات الجزائرية على حد قول المختص تتوافر على جميع الأجهزة والتقنيات المتطورة التي تتطلبها هذه العمليات والأمر سيان بالنسبة للعيادات الخاصة، حيث يجري العمل حاليا على تطويرها وترقيتها، وتحدث المختص عن مزايا هذه الجراحة فهي لا تتطلب تحاليل وفحوصات مكملة أو أشعة زائدة، فالفحص الطبي يساعد على تشخيص المرض واتخاذ قرار الجراحة بنسبة 90 ٪، ما يقلل على المريض المصاريف الزائدة فقد يكون المريض بحاجة إلى هذه الفحوصات باستثناء بعض الحالات التي تتطلب التخطيط العصبي أو “ليارام“، والذي يساعد في إعداد العملية وأخذ القرار وأكد المختص أنها تختلف حسب الحالة لكنها ليست باهظة.
نقص المعلومة حول التخصص تدفع المواطنين للسفر للخارج
ذكر المختص في الجراحة المجهرية للأعصاب أن عيادته تستقبل المرضى من مختلف أنحاء الوطن، الطارف، تبسة ومغنية لعلاج أنفسهم أو أبنائهم بعد أن يوجهوا من قبل المختصين في التقويم، المعالجين الفيزيائيين أو من قبل المختصين في طب العظام أو الأعصاب، لكن مشكلة المرضى على حد قول الدكتور نوارة يفتقدون المعلومة بوجود هذا الاختصاص محليا، بل وحتى بعض الأطباء لا يعرفون ذلك أيضا، وهو ما يدفعهم للسفر لتونس وفرنسا الذين ليس بإمكانهم تقديم الأفضل مقارنة بما يوجد هنا في الجزائر.
وواصل المختص أن فترة النقاهة تختلف على حسب الحالات، فالفحص والعملية فقط في العاصمة، أما التأهيل الوظيفي يكون في الولاية التي يقيم فيها خاصة وأن العلاج الفيزيائي متقدم جدا في الجزائر، ولديهم كل التجهيزات فهو ضروري ومكمل للعملية الجراحية بنسبة 90 ٪ حتى يتمكن العضو من استعادة وظيفته.
لا يوجد دواء يعالج الشلل والتدخل الجراحي هو الأنجع
صرح المختص نوارة أن بعض حالات الشلل تكون فيها الجراحة لتحسين الحالة لكن الدواء لن يفيدهم سواء بالجراحة أو من دونها، فالدواء نصفه فقط لتخفيف الألم فلا يوجد دواء لعلاج الشلل، وأضاف المتحدث أن كبار السن خصوصا النساء يعانون من ضغط في العصب المتوسط في النفق الرسغي لليد ويسمى بـ “متلازمة النفق الرسغي“، وهو ما يؤدي لاعتلال هذا العصب خاصة عند النساء بعد سن الخمسين ويشكل عائقا كبيرا في استعمال اليد ما يتطلب جراحة بسيطة لكنها تقضي على المشكل نهائيا. وأردف المختص أن هناك شلل ناتج عن ارتفاع الضغط الدموي وينتج عنه شلل في الأطراف العلوية والسفلية ويكون بالتوازي مع المختصين في العلاج الوظيفي، وبعض الحالات تكون الجراحة للتحسين وليس ليعود بشكل عادي أو هناك استعمال الحقن “لاتوكسين بوتيليك” حتى تقلل من الشلل، فيصبح بإمكان المريض تحريك يديه أو رجليه بشكل أفضل.
الشلل مرض معقد ونحن نقوي الجانب النفسي للأولياء
وصف المختص في جراحة الأعصاب الشلل بالمرض المعقد لذا تكون عملياته معقدة ودقيقة، حيث يعتمدون على المجهر الذي يمنحهم دقة في تصليح الأعصاب، لكن هناك عمليات في علاج الشلل لا تتطلب جراحة مجهرية يجرونها للتحسين. وشدد محدثنا على ضرورة القيام بالتصليح المجهري للأعصاب خلال الأشهر الأولى أي مابين 3 إلى 8 أشهر حسب الحالات، وهناك جراحة تحسينية تكون النتيجة أقل لكنها تحسّن نوعا ما الأداء الوظيفي للمريض. وحرص الدكتور نوارة على أن الحالة النفسية لأولياء الأطفال المشلولين وبالأخص الأمهات تكون صعبة جدا، فيتوجب عليهم أن يفهموا وضعية ابنهم، وواصل محدثنا أن 50 ٪ من عمله يكون مع الوالدين، فبعد فحص الطفل وشرح الوضع لهم مع تقديم الاحتمالات المستقبلية، فالجانب النفسي للمريض مهم جدا والذي يمنحهم أملا في حدود الاحتمالات والنتائج والخبرة المكتسبة، فأصحاب الحالات المعقدة حتى وإن صدموا في البادئ أفضل من منحهم أمل مفرط، مع ضرورة المتابعة والتي تستمر لمدة تصل حتى ثلاث سنوات لمتابعة تطور العلاج الفيزيائي وتطور شفاء العصب، فهو يحتاج وقتا كبيرا حتى يعود لوظيفته.
واختتم المختص حديثه بأن هدفه تطوير هذا الاختصاص نظرا لتوافر الإمكانيات المادية والبشرية محليا، حتى يجد المريض نهاية لآلامه سواء داخل المستشفيات العمومية أو العيادات الخاصة لأنهما متكاملان.