مواهب فردية.. بلا ذكاء جماعي
المواهب الفردية لا تَصنع ذكاءً جماعيا بالضرورة، بل إن غياب الذكاء الجماعي وغياب السياسات العامة التي تُجسِّده غالبا ما يكون قاتلا للمواهب الفردية. إننا لا نعدم مَن لديه حلول لمشكلاتنا المختلفة، ومن لديه قدرة على الإسهام في إيجاد مخارج لحالات الانسداد التي نعيش، إلا أننا عاجزون عن تحويل ذلك إلى عمل جماعي يصبح غاية الجميع دون استثناء، ويكون بالفعل صانعا للتقدم. لعلها هي ذي إحدى المشكلات الأساسية التي ينبغي أن نوليها كل ما استطعنا من أهمية.
لاحظت أن الكثير من الشعوب المتقدمة وبخاصة في أوربا الشمالية، وبعض الولايات الأمريكية، ولدى فئات واسعة من الدول الصاعدة بدأت تولي أهمية كبيرة لما يُعرف بالذكاء الجماعي بعد أن تبين لها أن العبقريات الفردية مهما كانت متميزة لا يمكنها أن تصنع التقدم. في فنلندا على سبيل المثال شُرع منذ أكثر من 05 سنوات في تطوير آليات جديدة للاستفادة القصوى من الذكاء الجماعي في رسم السياسات العامة وفي اتخاذ القرارات عبر ما عُرف في حيناها بالوزارة المفتوحة The Open Ministry التي تُنسِّق مشاركات المواطنين في الشأن العام عبر أرضية إلكترونية لاتخاذ أنسب القرارات في هذا المجال أو ذاك، وقد لقيت التجربة نجاحا كبيرا ومازالت تتطور إلى اليوم، وفي الولايات المتحدة فضلا عن البدايات الأولى التي عرفتها ولاية أوهايو الخاصة بالديمقراطية المباشرة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، تتوالى المبادرات بعد الأخرى في نطاق ما يعرف بالديمقراطية 2.0 التي ترفع شعار ممارسة الحكم مع المواطنين، وتُحقق مشاريع مثل Citizinvestor.com وCivic-tech تقدما مستمرا في هذا المجال. أما إيرلندا، فقد انفردت بمشروعها الخاص المتعلق بعلاقة مواطني هذا البلد بالاتحاد الأوروبي Puzzledbypolicy.eu… وقس على ذلك الكثير من الشعوب التي آمنت بضرورة الإسراع في مجال التكيف مع التطورات الحاصلة في مجال التكنولوجيات الرقمية وإنترنت.
نحن بطبيعة الحال لا نبحث في أن نقترب من هذا المستوى من النشاط الفكري والعلمي والعقلي باعتبار أن مشكلاتنا مختلفة وحاجاتنا مختلفة، إنما فقط نريد أن نُنبِّه إلى أنه بغض النظر عن نوعية المشكلات التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك، بغض النظر عن مستوى التطور الذي بلغه، لا يستطيع الاستغناء عن الذكاء الجماعي لتجاوز ما يعترضه من مشكلات.
تقليديا كان هذا الذكاء الجماعي يتمثل لدينا في مجالس العائلة أو القبيلة أو القرية أو المدينة أو الشورى الموسعة إلى العلماء والحكماء وذوي الرأي في المجتمع. وكان هذا النوع من “الجمع” للذكاء يحقق نتائج لا شك أسهمت في تطور مجتمعاتنا التقليدية وفي ازدهارها مما مكَّنها من التحول إلى مستوى بناء الحضارة بما يتناسب وما امتلكت من إمكانيات وما كان يواجهها من تحديات في زمنها.
وقد ورثنا بعض هذه الممارسات أبا عن جد، وكانت جزءا أصيلا في ثقافتنا، بحيث لم تكن قراراتنا تصدر على المستوى المحلي إلا باتفاق الجماعة، وما كان هناك من يستطيع تحدي هذه الجماعة، وكانت تلك آلية من الآليات الفعالة لصناعة الذكاء الجماعي، وتمكَّنا من العيش قرونا من خلالها…
وحتى خلال أحلك الحقب، وإلى وقت قريب استمر تمسكنا كمجتمعات تؤمن بأولوية الجماعة على الفرد، بهذا الأسلوب في التفكير والممارسة، إلا أننا بدأنا تدريجيا نفقد هذا التوجه من خلال محاولة اعتمادنا الأساليب الغربية في الاستشارة عن طريق ما يعرف بالمجالس المنتخبة، وبدل أن تُصبح هذه المجالس المنتخبة تطويرا لما عرفناه من آليات تشاور لإيجاد ذكاء جماعي، أفرغناها من محتواها وأصبحت مجالات لممارسات في غالبيتها تكرس الفردانية في التفكير والأنانية في تحقيق الأهداف.
وانعكس ذلك على كافة مستويات الحياة الاجتماعية والسياسية، حيث فقدت أساليب التفكير الجماعي في إدارة الشأن العام المحلي مكانتها، ولم تعد برامج التعليم قائمة على تدريب الناشئة على هذا النمط من التفكير، واعتلى المسؤوليات أفراد كرَّسوا مبدأ الفردانية وأولوية الخاص على العام، وبدأ يتشكل لدينا مجتمع جديد لا يؤمن بالفكرة الجماعية بالأساس فما بالك أن يمتلك ذكاء جماعيا يتحرك من خلاله لمواجهة التحديات التي تواجهه والأزمات التي يعرفها.
ولولا بقايا ذلك الرصيد الضخم من الفكرة الجماعية التي ترسخت عبر قرون لدى جميع مكونات الأمة لحدث انهيار كبير في موروثنا الجماعي ولعرفنا حالة من التشتت يصعب بعدها استعادة ما فات، فما بالك الالتحاق بالركب وبما هو قادم.
ولعل الوقت اليوم ملائم لطرح مثل هذه المسألة للنقاش بجدية: بين تحول العالم نحو التفكير الجماعي والذكاء الجماعي ورقمنته على أكثر من صعيد، وانتشار الفردانية والأنانية بيننا والتنكر لإمكانية العمل معا: إلى أين نحن سائرون؟
ينبغي أن نطرح مثل هذا لسؤال في نطاق نظرة استشرافية لبلادنا. ماذا سيكون مصير العبقريات الفردية التي لا يخلو منها بيت من بيوتنا في ظل سيادة هذا النوع من التفكير؟ لماذا ندفع بها إلى الموت التدريجي وهي تعرف أنها تستطيع أن تُحقِّق الكثير في نطاق الكل؟ أليس ذلك من باب قصر النظر في مسألة مقومات القوة بالنسبة إلى المجتمع؟ مَن بإمكانه تصحيح الوضع؟
إننا نقول إنه بقدر ما يبدو من فارق كبير بيننا وبين الشعوب الأوربية والغربية بشكل عام في مجال الاستفادة القصوى من الذكاء الجماعي بإمكاننا نحن أن نستبق تدهور الوضع في هذا المجال ونُصحِّح الخلل، من خلال القيام بعمل مزدوج في آن واحد، يتمثل في الاستفادة من رصيدنا التاريخي في هذا المجال ومن استعدادنا الفطري لذلك، وفي ذات الوقت من الخبرة الغربية المتطورة اليوم.
إننا بالفعل لا نستطيع أن نستغني عن متابعة ما يحدث في البلاد الإسكندنافية ولا في أوروبا أو أمريكا أو الصين واليابان وغيرها من الدول التي تمكنت بفضل إرساء عبقرية في العمل الجماعي القائم على الإبداع والابتكار، كما أننا لا يمكن أن ننطلق من فراغ. إذ بقدر ما نشعر به اليوم من توجه نحو قتل العبقريات الفردية من خلال غياب الذكاء الجماعي، وبقدر ذلك الغياب القاتل للفكرة الخلاقة القادرة على حثنا على التفكير بشكل متكامل، وبقدر سيطرة الأهداف الشخصية على حياتنا إلى درجة أن لم يعد لدينا تفكير في الآخر فما بالك في المجتمع أو الدولة، يمكننا أن نعتبر كل هذه المثبطات بمثابة الحالة الدافعة لنا نحو اليقظة باعتبار أننا جميعا نطرح باستمرار ذلك السؤال القديم الجديد: نحن إلى أين؟
إننا بلا شك نلاحظ كل يوم بعض تداعيات غياب إدراج الجميع ضمن منظومة ذكاء جماعي تتحرك في نطاق المستقبل. يتجلى في النزوع نحو الفرار من الواقع العملي (ظاهرة البحث عن التقاعد المسبق ورفض العمل)، وفي حالة الإحباط والتشاؤم المتزايدة من المستقبل (منطق اليأس السائد)، وفي ذلك الانغماس في حل المشكلات اللحظية المتراكمة والمتزايدة وتكريس جهودنا كافة في المشاريع العاجلة التي تهدف إلى حل معضلة (الوعود الكاذبة)… كما يتجلى في كل ما نعرفه من أشكال للرفض الصامت أو الصريح للوضع القائم وفي ذلك العجز الكبير أمام تقديم الحلول المبتكرة لتحسينه، واللجوء باستمرار إلى بعض أشكال التعبير العنيف كآخر وسيلة للتعبير الجماعي عن عجز الفكر عن الإبداع (غلق الطرقات، التظاهر الفوضوي…)، بما يعني أننا إذا لم نتمكن من تصحيح المعادلة في هذا المجال بعمل استباقي حقيقي يؤسس بالفعل لمنظومة فعالة لجمع العبقريات الفردية المتعددة في نطاق سياسة عاملة للذكاء الجماعي تنبثق عنها ممارسات جماعية واعية لأجل تحقيق الإصلاح المناسب والتحسين المناسب في كافة المستويات، فإننا سنحكم على مجتمعنا بمزيد من التوجه نحو الفردانية التي لن تكون نهايتها سوى التشتت والتمزق والانهيار بدل توحيد الجهود وتحقيق التقدم والازدهار، الذي يبقى مع كل ذلك أمامنا كخيار…