موسم الصّيد!
من أهمّ الأهداف التي ينبغي لكلّ حريص على الخير أن يجعلها ضمن أولوياته في هذه الأيام الأخيرة من شعبان: التخطيط لإصلاح أهله وأولاده وبيته، والأخذ بأيدي أصحابه ورفاقه ومن يعملون معه ويتعامل معهم ويتصل بهم إلى رحاب التوبة والاستقامة؛ فالعبد المؤمن لا يكتفي بإصلاح نفسه وتنظيم حياته، ثمّ يقضي أيامه متذمّرا من الواقع ناظرا إلى المخطئين باستعلاء، بل يجتهد ليكون مصلحا يدلّ النّاس على الله، ليكونوا في ميزان حسنات من يكون سببا في هدايتهم، ويسعدوا في الأولى والآخرة بطاعة من لا تحلو الحياة إلا بطاعته.
كلّنا نحفظ قول الله جلّ وعلا: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ))، وقول حبيبنا المصطفى -عليه الصلاة والسلام-: “واللهِ لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَم”.. لكن، كم في بيوتنا بين زوجاتنا من لا تصلّي، ومن لا تفتح المصحف؟ وكم بين أبنائنا من لا يولّي وجهه شطر الكعبة ومن يتذبذب في صلاته ولا يكاد يصلّي الفجر إلا في رمضان، ومن لا يصلّي في المسجد إلا الجمعة والأعياد؟ كم بين أصدقائك -أخي المؤمن- من لا يصلّي ولا يعرف إلى المسجد طريقا وأنت تجلس معه في المقهى كلّ يوم تضحكان وتخوضان في السياسة والتجارة والأسعار، ولكنّك لا تكلّمه في شأن الصّلاة؟! كم بين أصدقائك وبين من يجمعك بهم مكان العمل كلّ يوم من يسبّ الله -جلّ وعلا- ولا يصلّي؟ كم بينهم من يتعاطى الدخان وحتى المخدّرات وأنت لا تنصحه؟! كم بين صديقاتكِ -أيتها المؤمنة- من لا تلبس الحجاب أو تلبس حجابا متبرجا وأنت لم تكلّميها ولو مرّة واحدة لتذكّريها بأنّ المتبرّجة تسعى كلّ يوم في سخط الله وتلعنها الملائكة ولا تجد رائحة الجنّة يوم القيامة؟
كم بين معارفكَ من تعلم أنّه يأكل الحرام في تجارته أو مكان عمله، أو يخلط الحرام بالحلال، أو يأخذ حقوق النّاس، أو يتساهل في أمر الدّيْن، أو يظلم أخاه أو قريبه أو جاره، وأنت تجلس معه كلّ يوم ولم تنكر عليه مرّة واحدة، خوفا من غضبه، أو لأنّك لا تريد أن يتعكّر الجوّ بينكما، بل لعلّك تجامله وتقرّه على خطئه وتؤيّده في ظلمه وتبرّر له عدوانه؟!
الصّديق من صدق، وليس من صدّق.. وإذا كنت صادقا في محبّة زوجتك وأبنائك وبناتك وأصحابك، فكن حريصا على نجاتهم من عذاب الله.. عِشرة الدّنيا لا تدوم، والعشرة الدائمة هي عشرة الآخرة؛ فكن حريصا على أن تجتمع بأحبابك في الجنّة، كما تجتمع بهم في هذه الدنيا الفانية.. إحدى العجائز كانت توقظ أبناءها وأحفادها كلّ يوم لصلاة الفجر، وتقول لهم: “قوموا، فلا نريد أن نفقد أحدا منكم في الجنّة”.
كم نرى من حولنا من شباب تائهين، يبيتون مع المخدّرات والمواقع الإباحية ويظلّون لا شغل لهم إلا معاكسة الفتيات؟! وكم نرى من فتيات تخلّين عن الحياء، وما عاد العفاف يمثّل بالنّسبة إليهنّ شيئا ذا قيمة! المهمّ بالنّسبة للواحدة منهنّ هو أن تعيش حياتها بما يرضي رغبات نفسها ويرضي رفيقات السّوء من حولها؟! وكم نسمع عن نساء ما عاد الموت يخطر لهنّ على بال ولا عاد أمر الآخرة يهمّهنّ ويشغلهنّ؟! شغلهنّ الأوّل والأخير هو التزوّد من الدّنيا والمنافسة في متاعها الزّائل؟!
رمضان قادم؛ فلماذا لا نضع المعرضين عن الله من أهلنا وجيراننا وشبابنا التائهين في حسباننا ونجعل بين أهدافنا أن ندعوهم إلى وليمة رمضان، ونأخذ بأيديهم إلى المساجد ورحاب الطاعات؟! نجلس معهم إن أمكن، ونكلّمهم بكلّ رفق ورحمة وندلّهم على طريق السعادة الحقيقية، وعلى درب الخلاص من الهموم والغموم وروتين الحياة المملّ.. ومن لم يمكننا الجلوس إليه، فلنراسله على مواقع التواصل ونبعث إليه بمقاطع ترغّب في التوبة والإقبال على الله في شهر الإنابة.
شبابنا قد ملّوا حياة الضياع، ونفوسهم في دواخلهم تبكي وتنتحب، وهم ينتظرون من يأخذ بأيديهم إلى الله ويعينهم على أنفسهم وعلى واقعهم.. فليبادر شباب المساجد وليتحرّكوا مستعينين بالله في هذه الأيام الأخيرة من شعبان، وليكن نشاطهم وحماسهم أشدّ من نشاط وحماس من يدعو النّاس إلى وليمة عرس، يتحبّب إليهم ويختار أحسن العبارات التي تغريهم بالحضور. ورمضان هو وليمة التائبين والعائدين والمقبلين، فيه من لذائذ الطّاعة ما يملأ الرّوح أنسا والصّدر انشراحا.